2013-01-02

أين اختفت رباعيتـ"هم"؟


بقلم: معتصم حمادة

سؤال ملح، ومنطقي وله ما يبرره، وما يبرر طرحه بقوة على بساط البحث السياسي. فالمنطقة شهدت حدثين بارزين، كان لهما أثرهما البالغ على الصعيد الإقليمي، كما على الصعيد الدولي، دون أن يرف لهذه "الرباعية" جفن، أو أن تقول كلمة ـ حق أو باطل لا بأس ـ تعليقا على هذين الحدثين:
الأول هو العدوان الإسرائيلي على القطاع تحت اسم "عمود السحاب" وقد تصدى له الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة، واستطاع أن يرد على العدوان بصفعات طالت، عبر الصواريخ بعيدة المدى، كل شبر من إسرائيل، وحولت حياة السكان إلى ما يشبه الجحيم، ردا على محاولة العدو أن يحول حياة قطاع غزة إلى جحيم مماثل. اهتز العالم لهذا العدوان، كما وقف احتراما لصمود القطاع وشعبه ومقاومته، حتى أن وزيرة خارجية الولايات المتحدة نفسها، أتت إلى المنطقة لتساعد على إطفاء الحرائق التي أشعلتها حكومة نتنياهو، وهددت الكثير من المصالح، حين أخرجت من خلف الجدران، عناصر القوة الفلسطينية: مقاومة مسلحة، صمود شعبي، مقاومة شعبية في الضفة، وتأييد عربي ودولي، شعبي ورسمي، وإدانة صارخة للعدوان.

اقتحام دولة فلسطين، الجمعية العامة للأمم المتحدة رغم أنف الولايات المتحدة [لا تنسوا كذلك دولة ميكرونيزيا] التي كانت عطلت على "الدولة" أن تأخذ مقعدها في العام الماضي. دول أوروبية أيدت حق الدولة في عضوية الأمم المتحدة، ودول أخرى امتنعت عن التصويت، ووسط ترحيب عامر، أصبحت فلسطين العضو رقم 194 في الجمعية العامة للأمم المتحدة. ودار لغط حول الخطوة التالية، وهل ستلجأ فلسطين إلى محكمة الجنايات الدولية لتحاكم إسرائيل على جرائم حربها الموصوفة، وآخرها القرار الجائر بإنشاء 3000 وحدة سكنية للمستوطنين في القدس الشرقية وفي غلافها، ما يستكمل تشطير الضفة، وعزل المدينة عزلا تاما عن محيطها الفلسطيني.

حدثان بارزان، في طياتهما تداعيات سياسية كبرى، كاتفاق الهدنة الخطي الذي يعقد مثيل له للمرة الأولى بين المقاومة وبين دولة العدو، وكقرار نتنياهو توسيع الاستيطان، ووقف تحويل أموال الجمارك إلى صندوق السلطة، تحت شعار "معاقبتها" على عضويتها في الأمم المتحدة... ومع ذلك لم تشهد للجنة الرباعية أي تحرك يذكر. لا هي اجتمعت، ولا هي أصدرت بيانا، ولا تعليقا. وكأنها آخر من له علاقة بالوضع في المنطقة، وكأنها استقالت من وظيفتها.

***

هذا الكلام لا يعني أننا لا نقيم وزنا للرباعية، بل على العكس من ذلك. أن الرباعية تشكل عنوانا لدور يعلبه المجتمع الدولي، وهي تضم في عضويتها، الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية، والاتحاد الأوروبي، وممثل الأمم المتحدة. أي الأطراف الفاعلة في مجلس الأمن الدولي، ما عدا الصين الشعبية. وهي تشكلت تحت ضغط الحراك الشعبي الفلسطيني والذي أخذ أشكالاً مختلفة من بينها الانتفاضة الشاملة، وإن كان الهدف من تشكليها تباين بين طرف وآخر. فالبعض أرادها وساطة دولية للضغط على الجانب الإسرائيلي (روسيا وبعض أوروبا) والبعض الآخر أرادها أداة  ضبط للصراع عبر الضغط على الفلسطينيين (الولايات المتحدة وإلى حد ما بريطانيا) والبعض الآخر أرادها عنواناً للتدويل كالأمم المتحدة. وحتى ولو كانت إحدى ثمارها المرة تتمثل في خطة "خارطة الطريق"، إلا أن بعض مواقف الرباعية شكلت في مرحلة ما مكسبا فلسطينيا، خاصة حين أصدرت مواقف واضحة تدين الاستيطان، وتدعو لوقفه، باعتباره عملا غير شرعي، وحين رسمت للعملية التفاوضية سقفا زمنيا، بعده يتحرر الفلسطينيون من قيود المفاوضات لصالح الذهاب إلى الأمم المتحدة، وطلب عضوية الدولة في الجمعية العامة.

الخط البياني للرباعية ليس صاعدا على الدوام. فهو ينزل، كما يصعد. والقضية تتمثل في موازين القوى التي تفرض إرادتها على قرارات الرباعية. وليس خافيا أن الطرف الأقوى في هذه اللجنة الدولية هي الولايات المتحدة، لذلك حين كان الصوت الأميركي (صوت الرئيس أوباما) عاليا ضد الاستيطان، ولضرورة وقفه لاستئناف المفاوضات، ارتفع صوت الرباعية في الاتجاه ذاته. وحين انخفض الصوت الأميركي انخفض صوت الرباعية. أي أن باقي الأطراف في اللجنة تمارس التأثير المطلوب في صياغة القرار [كما يفعل لافروف مثلا في تفسير بيان جنيف الخاص بالأزمة السورية]. ولعل هذا ما دفع البعض، ونحن منهم، في لحظات معينة إلى الجأر بالشكوى من الرباعية، والتساؤل عن جدوى وجودها ووظيفة هذا الوجود، إذا كانت لا تريد أن تعبر بصدق عن "الشرعية الدولية" وقراراتها، وتلزم العدو الإسرائيلي بما عليه من استحقاقات إزاء التسوية في المنطقة.

هذا الكلام لا يعفينا، في الوقت نفسه، من القول، أن عاملا كبيرا يلعب دورا في التأثير على قرار الرباعية، هو العامل الذاتي الفلسطيني. وكما نجح الصمود الفلسطيني في غزة في الضغط على هيلاري كلينتون لتحضر إلى المنطقة لتطفئ النار المشتعلة ولتمنع إشعال المزيد من النيران الإسرائيلية، بإمكان العامل الذاتي الفلسطيني أن يضغط على الرباعية لتلعب دورها المطلوب منها.

***

الولايات المتحدة لا تريد للرباعية أن تجتمع في هذه الفترة، لأنها تدرك أن الحالة الفلسطينية تمتلك ورقتي قوة جديدتين هما الصمود البطولي في القطاع، وما عكسه من توازن معين في العلاقة مع إسرائيل. والثانية الاعتراف بالدولة الفلسطينية وحدودها وعاصمتها. والورقة الأخيرة مهمة سياسيا لأنها تعني رسم أساس جديد لعملية تفاوضية جديدة، قد يقترحها البعض دون أن تملك الولايات المتحدة من وسائل الإقناع ما يبرر لها رفض إدخال التغيير على العملية التفاوضية وأسسها وآلياتها. الولايات المتحدة هزمت مع إسرائيل مرتين. المرة الأولى حين أرغمت تل أبيب على عدم دخول مغامرة الاجتياح البري (مرة أخرى) للقطاع، والقبول بالهدنة المشروطة. [خلافا للهدنة السابقة غير المشروطة إلا بشروط إسرائيل]. والمرة الثانية حين وجدت نفسها عاجزة عن منع فلسطين من دخول الأمم المتحدة، ما دفع سوزان رايس، ممثلة واشنطن في نيويورك للتوجه نحو الوفد الفلسطيني تدعي أمامه أن ما جرى في قاعة الجمعية العامة لا معنى له وأن الحقيقة تمثل فقط إلى طاولة المفاوضات، لاعتقادها أن ميزان القوى إلى هذه الطاولة يكون على الدوام لصالح إسرائيل. ومع ذلك تتمهل الولايات المتحدة في تحضير "الوصفة" الجديدة للمفاوضات القادمة إدراكا منها أن في الأمر أشياء جديدة لا يمكن إنكارها. هي تدرك أن الفلسطينيين سيتقدمون باعتبارهم دولة ذات سيادة [هكذا يفترض بهم أن يتصرفوا] وسيطالبون بصيغة جديدة للمفاوضات [هكذا يفترض بهم أن يفعلو] وأن روسيا سوف تدعمهم في مواقفهم [هذا ما ينتظره الفلسطينيون من موسكو] وكذلك سوف تفعل بعض دول الاتحاد الأوروبي [فرنسا، إيطاليا، سويسرا، النمسا وغيرها] ويفترض أيضا أن تكون الأمم المتحدة "وفية لنفسها"، بالتمسك بقراراتها ذات الصلة، وبقواعد العلاقات بين "الدول" بما في ذلك مكافحة الاستعمار، وإنهائه، أو إنهاء ما تبقى منها في العالم، أي الاستعمار الإسرائيلي الصهيوني لأراضي دولة فلسطين.

لذلك ولا غرابة أن تغيب الولايات المتحدة الرباعية، بل لا غرابة لو أن الولايات المتحدة قررت اغتيال الرباعية، وتنفرد بشؤون الملف الفلسطيني، حتى لا يبقى إلى جانبها طرف آخر يضغط عليها لتأخذ التطورات الأخيرة في غزة ونيويورك بعين الاعتبار في حال استأنفت العملية التفاوضية أعمالها.

* عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين- دمشق. - ---