في حمأة الهجمة الصهيونية المتطرفة على القيادة والشعب العربي الفلسطيني خرج يائير شامير، المرشح الرابع في تكتل "الليكود بيتنا" بتصريح عنصري، محاولا إعادة إنتاج ما قالته ذات مرة غولدا مائير، رئيسة الوزراء الاسبق، من ان لا وجود للشعب الفلسطيني، مدعيا، إن لا وجود لملايين الفلسطينيين اللاجئين في مختلف بقاع الارض..! وبشيء من الاستخفاف بالحقائق الماثلة في الواقع، يدعي إبن إسحاق شامير، رئيس الوزراء الاسبق، أن عدد الفلسطينيين لا يزيد على مليون او مليوني شخص، ولذلك من وجهة نظره، لا يتم إقامة دولة لكل مليون شخص في العالم..!!
ولهذا رفض شامير الابن خيار الدولتين على حدود الرابع من حزيران عام 1967. كما رفض خيار الدولة الواحدة، ثنائية القومية. وكل ما يمكن منحه للفلسطينيين من وجهة نظره، هو الحد الادنى مما يتطلبه هذا الجمهور، كي يديروا شؤونهم..! محاولا تعميق سياسات ابيه المتطرفة والمعادية للسلام والفلسطينيين على حد سواء.
يائير شامير، الذي من المتووقع ان يتسلم حقيبة وزارية مهمة في الحكومة القادمة بعد الانتخابات، شاء ان يضرب على وتر التطرف والعنصرية وسياسة التطهير العرقي لكسب قوى الشارع الاسرائيلي الغارقة في وحول التعبئة الفكرية والسياسية والدينية، التي يمثلها.
ولكن بقراءة تصريحات شامير الجديد، يلحظ المرء، انه فاقد الاهلية السياسية، ولا يملك سوى النضح من معين الايديولوجيا العنصرية والديماغوجيا التظليلية، لا سيما وان الحقائق تفند اكاذيبه، وتعريها تماما، اولا ان كان لا يعرف، فعدد من الدول التي تصوت لاسرائيل تاريخيا كمكرونيزيا لا يزيد عددها عن عشرة آلاف نسمة، وغيرها من الدول لا يرقى عددها للمليون؛ ثانيا الشعب العربي الفلسطيني في آخر إحصائية لمركز الاحصاء الفلسطيني، بلغ عدده (11,6) احد عشر مليون وستماية الف نسمة، في الاراضي المحتلة عام 1967 اربعة مليون واربعمائة الف، وفي داخل دولة التطهير العرقي الاسرائيلية مليون واربعمائة الف نسمة، وفي الشتات خمسة مليون وستماية وستون الف نسمة. اي ان عدد الفلسطينيين يضاهي تقريبا عدد اليهود في العالم تقريبا وليس في إسرائيل.
ومع ذلك حتى لو كان عدد الفلسطينيين كما ذكر ذلك المزور للحقائق كما غولدا مائير، التي حاولت طمس وجود الفلسطينيين في مطلع السبعينيات، حينما قالت: لا وجود لشعب فلسطيني..! رغم ان الثورة الفلسطينية المعاصرة كانت تقض مضاجع الدولة الاسرائيلية، واوقعت في جيشها العديد من الهزائم، لعل ابرزها معركة الكرامة في اذار/ مارس 1968. ففشلت في الدفاع عن كذبتها وتزييفها للحقائق، لان القيادة الاسرائيلية إعترفت بالشعب العربي الفلسطيني، ليس لانه موجود، وليس لانه صاحب الارض المحتلة عام 1948، عام النكبة، بل لانه صاحبة الثورة الفلسطينية المعاصرة، التي اوجعت إسرائيل ومن خلفها الولايات المتحدة، وارغمتهم على الاقرار المبدئي بالحقوق الوطنية الفلسطينية. ومع ذلك، فإن المليون فلسطيني او المليونين، يستحقوا دولة، فما بال شامير الابن حين يكون عدد الفلسطينيين حوال الاثني عشر مليونا؟
سقط شامير في اختبار الذكاء، كما سقطت من قبله غولدا مائير، لان كل المعطيات والمؤشرات والاحصاءات الاسرائيلية والاممية، وليس الفلسطينية تفقده إدعائه. وتكشف هشاشة منطقه الغوغائي. وبالضرورة تكشف الاتجاه العام للحكومة الاسرائيلية القادمة بزعامة نتنياهو (ان لم يحدث اية تطورات غير محسوبة، تعيد خلط الاوراق في الساحة الانتخابية الاسرائيلية) المعادي للسلام، ورفضها اي خيار من خيارات التسوية السياسية. فشامير لا ينطق عن الهوا، ولا يهرج بل يعلن عن برنامج عمل حكومة "الليكود بيتنا" القادمة. وهو ما يستدعي من القيادة الفلسطينية والدول العربية واقطاب الرباعية الدولية لما تتجه اليه إسرائيل في قادم الايام، والعمل على كبح النزعات العدوانية للقيادات الاسرائيلية من خلال الضغط سياسيا وديبلوماسيا واقتصاديا وامنيا، لالزامها بخيار الدولتين على حدود الـ 67. وإلا فإن إسرائيل تدفع المنطقة برمتها الى دوامة العنف والحرب والاستيطان الاستعماري.