2012-12-30

الدولة الفلسطينية وخيار حل السلطة الفلسطينية..!!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

هل من علاقة بين حصول الفلسطينيين على دولة غير عضو وحل السلطة الفلسطينية؟ طرح هذا الخيار ليس بجديد، فقد كان الفلسطينيون دائما يطرحون بل يهددون بحل السلطة الفلسطينية لوضع إسرائيل أمام مسؤولياتها كسلطة إحتلال. وخيار حل السلطة يعني ببساطة شديدة تحويل مسؤولية السلطة الفلسطينية بكل أدوارها ووظائفها الأمنية والإقتصادية والسياسية إلى إسرائيل على إعتبار إن إسرائيل ما زالت كسلطة إحتلال هي المسؤولة مباشرة عن التحكم في أراضي السلطة الفلسطينية، وهي من تحدد حدود هذا الدور، وهذا هو الخطأ الجسيم الذي وقعت فيه السلطة بسبب قيود إتفاقات أوسلو على أمل أن تنتهي هذه الحالة بإنتهاء الإحتلال وقيام الدولة الفلسطينية الكاملة التي لن تتحقق إلا بإنتهاء الإحتلال الإسرائيلى.

هذا الفهم الإسرائيلى للسلطة يتناقض مع الفهم الفلسطيني، ويتعارض مع مفهوم الدولة الفلسطينية، وهنا تكمن معضلة التعارض في معادلة السلطة الفلسطينية الفلسطينية، وأول جوانب هذا التعارض إن السلطة الفلسطينية التي أقيمت إستنادا لإتفاقات أوسلو هى سلطة بالوكالة، ومهمتها أن تقوم بادوار أمنية او غير أمنية تريدها إسرائيل ، وبعد أن أدركت السلطة الفلسطينية هذا القصور حاولت أن تعالج هذا الخلل من خلال فرض واقع فلسطيني جديد بإنشاء مؤسسات أكثر إستقلالية وتحررا من هيمنة وسيطرة إسرائيل، وهو ما لم تنجح فيه السلطة إلى درجة كبيرة بسبب الضغوط التي مارستها وتمارسها إسرائيل كحجب الأموال الفلسطينية، وفرض واقع إستيطاني يجهض مضمون الدولة من ناحية، ويفرغ السلطة من مضامين سياسية وسيادية حقيقية. ومن ناحية ثانية قيام الدولة الفلسطينية بصفة مراقب لم يغير من واقع السلطة، بل أبقاها على حالها وفقا لإتفاقات أوسلو التي تحول دون تحول السلطة الفلسطينية إلى مكون حقيقي من مكونات الدولة، وهذا لن يتحقق إلا مع إنهاء الإحتلال.

واليوم يتجدد الحديث عن حل السلطة الفلسطينية وتسليم مفاتيحها لإسرائيل هذا إذا كان للسلطة أصلا مفاتيح. فالمتعارف عليه في أدبيات السلطة أن الدولة الكاملة لا تتحقق إلا بتوافر العناصر الثلاثة التالية: الإقليم وهو غير متوفر بسبب الإحتلال الإسرائيلي لأراضي الدولة الفلسطنية فهي دولة غير كاملة وغير متكاملة إقليميا. والركن الثاني، السلطة، فهو غير متوفر أيضا وبسبب الإحتلال وإتفاقات أوسلو التي تقيد سلطات وصلاحيات السلطة بالسلطة المحتلة وبتوافق متبادل، وهو أمر غير مبرر الآن، فهى سلطة أيضا منقوصة وغير سيادية، ولا تتوافق مع مفهوم الدولة الفلسطينية. والعنصر الثالث، وهو الشعب، وهو العنصر الوحيد الذي لا تستطيع إسرائيل على شطبه ومحوه، فتتوفر فيه مقوم الهوية الوطنية، ومع ذلك حتى هذا العنصر يعاني من عدم قدرة على ممارسة الحقوق العادية التي يتمتع بها أي مواطن عادي في أصغر دولة في العالم.

فى سياق هذه الأبعاد المختلفة يبدو أن الحديث عن حل السلطة أمر منطقي، لكن غير المنطقي كيف يمكن لإسرلائيل أن تقبل بتسلم السلطة الفلسطينية، والإحلال محلها في ظل وجود دولة غير مراقب في الأمم المتحدة؟ وماذا لو رفضت إسرائيل ذلك وأعلنت إنسحابا أحاديا على غرار ما حدث في غزة؟ إذن المعضلة تكمن في كيفية التوافق والتلاقى بين مفهوم ومنطق الدولة والسلطة الفلسطينية بإعتبار أنها الركن الأساس في قبول الدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة؟ لا خلاف على أهمية مراجعة مفهوم السلطة الفلسطينية ودورها ووظيفتها في ظل الدولة الفلسطينية، وكيفية العمل على تحررها من قيود إتفاقات اوسلو المنشئة لها، وبقدر تحرر السلطة بقدر تجسيده لدولة أكثر إقترابا من الدولة الكاملة، وهنا التفكير ينبغي أن ينصب على كيفية إنهاء الإحتلال، وليس حل السلطة الفلسطينية، وبدلا من ذلك التفكير في إعادة بنا منظومة السلطة الفلسطينية التي تنطلق من مفهوم الدولة الفلسطينية في ظل الإحتلال.. المطلوب سلطة تقوم بدور في إنهاء الإحتلال. وإذا كان هناك من تفكير جدي في حل السلطة، فهو في إتجاه وضع الدولة الفلسطينية بكل مؤسساتها ومسؤولياتها تحت وصاية الأمم المتحدة لتقوم الأخيرة بدورها في إنهاء الإحتلال الإسرائيلي بكل الوسائل الشرعية التي تتوفر وصولا إلى طلب ذلك إستنادا إلى تطبيق الفصل من ميثاق الأمم المتحدة الذي يجيز فرض عقوبات على إسرائيل، على الرغم من الفيتو الأمريكي الذي لا يحول دون الإستمرار في هذا التوجه.

أخيرا، يبقى السؤال: ما هو دور السلطة الفلسطينية؟ أولا أن تتحول إلى سلطة كفاحية، وسلطة خدمات، وسلطة توفر الوعاء للمقاومة المدنية الشعبية الكفيلة بتحريك القوى المدنية الدولية، حتى تبقى القضية الفلسطينية حية ومؤثرة في القرار الدولي. وقبل التفكير في حل السلطة الفلسطينية علينا أن نفكر في الخيار البديل، وأي خيار فلسطيني فاعل مرهون بقدرته على التسريع في إنهاء الإحتلال. والسؤال الأخير: هل حل السلطة ينهي الإحتلال أم يقوي من وجوده؟!

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@hotmail.com