لم تقتصر المقابلة التي أجراها الرئيس عباس مع صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية على القول بأنه إذا استمرت الحملة الأسرائيلية ضد فلسطين واستمر الأستيطان وعدم حدوث انفراج سياسي في العملية التفاوضية بعد الأنتخابات الأسرائيلية فإنه سيسلم مفاتيح السلطة لنتنياهو، وانما جاءت المقابلة شاملة لاحتمالات وسيناريوهات عديدة ربما كان آخرها هو حل السلطة، تؤكد بأن حل السلطة ليس في الحسبان. والملفت للنظر أن وسائل الأعلام سواء الأسرائيلية أو العربية لم تتناول المقابلة بالعمق والجدية التي تحلت بها وإنما تم تركيزها على قول الرئيس عباس بتسليم مفاتيح السلطة لنتنياهو وهو ما فسروه بحل السلطة ، وكأني بالبعض يتلهف لرؤية حدوث ذلك ولكل أسبابه التي لا تلتقي بالضرورة مع أسباب الآخرين.
فالرئيس عباس يؤكد في هذه المقابلة بأن هناك خيارات أخرى أمامه سوف لا يلجأ إليها إلا بعد انسداد الأفق السياسي من بينها إمكانية اللجوء الى المحكمة الدولية في لاهاي ولكنه لن يفعل ذلك إذا كانت هناك مفاوضات .. "بالنسبة لنا كل شيء موضوع على الطاولة ولكننا لن نفعل ولن نقوم بأي شيء إلا حينما نتأكد بأنه لا جدوى من انتظارنا".
ويؤكد الرئيس في نفس المقابلة استعداده للتفاوض مع نتنياهو بعد الأنتخابات الأسرائيلية.. "على أن يوقف نتنياهو الأستيطان ويستأنف نقل الضرائب التي تجنيها إسرائيل إلى السلطة ويقوم بإطلاق سراح 120 أسيرا ً عند بدء المفاوضات ".. وأكثر من ذلك فإن الرئيس عباس يؤكد بأنه لن يسمح لأحد غير الأجهزة الأمنية بحيازة السلاح، قائلا: "لن نسمح لحماس أو لأي منظمة أخرى بحيازة أسلحة باستثناء تلك التي تحملها أجهزة الأمن".. وكل هذا هو طمأنة للأسرائيليين وللأمريكيين وليس ضغطا ًأو تهديدا ً لهم.
والملفت للنظر أن ردود الفعل الأسرائيلية كانت تتفاوت بين الترحيب بتنحي عباس (ليبرمان) والتشكيك بجديته في ذلك القول (جدعون ساعر)، بينما انبرى بعض المتحدثين الفلسطينيين إلى التركيز على ترحيب ليبرمان ولسان حالهم يقول أن على عباس أن لا يحل السلطة لأن ذلك هو ما يريده ليبرمان..!
والحقيقة هي كما قلت آنفا ً بأن المقابلة بمجملها لا تبشر بنية حل السلطة وإنما الأستمرار فيها وفي الجهود لتحقيق حل سياسي للصراع، وهذا مما يخيب آمال كل الذين فقدوا الأمل بأن هناك فائدة من بقاء السلطة، ومقتنعون بداخلهم بأن بقاء السلطة يخدم البرنامج الأستيطاني لأسرائيل ويساعدها على تمريره تحت طائلة الأدعاء بأن هناك عملية تفاوضية وسلام قادم.
وعلى أية حال فإن حل السلطة لا يتم في يوم وليلة ولا بتسليم المفاتيح لنتنياهو ، وإذا ما كان هناك قرار جدي بحل السلطة فإنه يتم من خلال مهلة ستة أشهر ٍمثلا، تعلنها القيادة الفلسطينية تدعو فيها الأمم المتحدة لتولي الأشراف على أراضي الدولة الفلسطينية المحتلة وتطبيق المواثيق والمعاهدات الدولية الخاصة بالاحتلال على هذه الأراضي إلى أن يتم إجلاء الأحتلال عنها ويكون هذا القرار قطعيا ًلا مجرد مناورة أو مماطلة تُفقدنا احترامنا لأنفسنا واحترام الآخرين لنا.
لقد تناول الكثيرون موضوع امكانية حل السلطة بالتحليل والمناقشة فكان هناك مؤيدون ومعارضون ولكلٍ أسبابه في ذلك.
الحقائق التي تقوم اسرائيل بفرضها على الأرض يوميا ً تؤكد بأنه لم يبق مكان لأقامة الدولة الفلسطينية إذا كنا بالفعل نريد دولة على حدود الرابع من حزيران 1967 مع تبادل بالأتفاق وبالحد الأدني للأراضي لتمكين اسرائيل من ضم التجمعات الأستيطانية. فالسرطان الأستيطاني ينتشر كالطحالب في شتى أنحاء الضفة الغربية وليس فقط بحاذاة الخط الأخضر، والقدس لم تعد القدس التي يعرفها من كانوا يزورونها قبل الجدار ويحاولون الآن إقناع أنفسهم بأنها ما زالت كما كانوا يعرفونها وهذا الوضع يؤكد بأنه لم تعد هناك فرصة للحل التفاوضي.
الصحف ووسائل الأعلام اليومية تحمل لنا أنباء قرارات بناء استيطاني ومصادرات أراض وجرافات تغير معالم الأرض وتنشيء المستوطنات وتبتلع القدس وتقتحم المسجد الأقصى، فهل بقي هناك مكان للدولة أو للحل السياسي؟ وإذا لم يعد هناك مكان للحل السياسي فهل هناك حل عسكري؟ وهل المجتمع الدولي قادر على التدخل لفرض تسوية؟
حالة العالم العربي تدعو للشفقة فقد تم تدمير العراق وسوريا وتشتيت مصر ووضع الأردن على فوهة بركان ، وأصبحت واشنطن هي الآمر الناهي في معظم إن لم يكن جميع الدول العربية وفقد العرب إرادتهم وقرارهم وأصبح الرويبضة ينطقون باسمهم فهل بعد ذلك أمل يُرتجى منهم .
لقد تغيب وزراء الخارجية العرب عن جلسة الجمعية العمومية التي صوتت على الأعتراف بفلسطين لا لشيء إلا لأن السيدة كلنتون طلبت منهم ذلك ، وتراجع الوزراء العرب عن القدوم إلى رام الله بالأمس لأن واشنطن طلبت منهم ذلك ، ولم تقم الدول العربية بتقديم شبكة الأمان المالي التي وعدت بها السلطة لأن واشنطن طلبت منهم ذلك عقابا ً للفلسطينيين لأن رام الله شبت على الطوق الأمريكي ورفضت الأنصياع لرغبة واشنطن بعدم التوجه للأمم المتحدة .
والأستنتاج الوحيد هو أن لا أمل يرتجى من العرب وأن علينا أن نقتلع أشواكنا بأيدينا وهو ما قاله وزير الخارجية السوري فاروق الشرع للوفد الفلسطيني المفاوض في واشنطن قبل قرابة عشرين عاما وحال العرب آنذاك أفضل ألف مرة مما هو عليه اليوم !
فهل نحن قادرون على اقتلاع أشواكنا بأيدينا في ظل وضعنا الراهن ؟
الحال الفلسطيني ليس بأفضل من الحال العربي ، فقد أصبحنا في الضفة رهائن للرواتب والأمتيازات لبعض المسؤولين حسب مراتبهم ، والمصالح التجارية وأصبح الأقتتال على الحكم سمة مميزة للأنقسام بين فتح وحماس ، وتنازعنا وذهبت ريحنا وأصبح يطمع فينا من يرانا .
إن هناك من يقول بأن المنطقة تمر في مخاض ٍ ، وأن ما يجري في عالمنا العربي المحيط بنا ليس عشوائيا ٍ وإنما بفعل فاعل وأن هذا الفاعل يُعدّ العدة ويهيء الفرصة لإعادة ترسيم حدود دول المنطقة وأنه سيكون لنا في ذلك نصيبا ً وأن هذا ما يجعل البعض يؤكد بأن الدولة قادمة !
وسواء كان هذا الأعتقاد صحيحا ً أم لا فإن الحقيقة هي أننا نعيش اليوم في عصر ٍ هو العصر الأمريكي – الصهيوني وأن أي حل أو تسوية قادمة ستُطبخ في تل أبيب قبل أن تُعتمد في واشنطن والعواصم الغربية ، لتوضع على مائدة المنطقة وأن أية طبخة ٍ من هذا القبيل لن تلبي الحد الأدنى الذي يمكن أن يقبل به حتى " المنبطحين " منا ! وإذا كان هذا هو الحال فإنه لا يجوز لأي ٍ كان من بيننا أن يقبل بأن يكون خاتم كاوتشوك للتوقيع على أمر فيه تفريط بحقوق شعبنا.
فالذي يمكن أن يُحقق ولو الحد الأدنى من طلباتنا هو أن نملك القوة ووسائل الضغط لكي يُحسب لنا حساب، ولا أظن أننا إذا ما توحدنا وتخلينا عن شهوة الحكم وعن الأمتيازات والمصالح التي وفرها الوضع الحالي للبعض سنعجز عن تحقيق ذلك. فلتتوقف كل الأوهام بأن الطرف الآخر سيعطينا طوعا ً ما نريد، ولنقم بإعادة حساباتنا قبل فوات الأوان.