2012-12-27

الديمقراطية تعادي دولة فلسطين..!!


بقلم: زهير حمدالله زيد

إستطلاعات الرأي الإسرائيلية بخصوص الإنتخابات القادمة، أظهرت مؤشرات تفيد في رسم الخارطة السياسية للحكومة القادمة، كما أكدت على إستمرار توجه المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين، هذا رغم بعض الدلائل الأخرى التي لم تغير في الموازين بين الكتل المختلفة، والتي أُصطلح على تسميتها بمصطلحات تنافي المفاهيم العامة في عالمنا خاصة في ما يتعلق باليمين واليسار، فالمؤيد لسلام مع الجيران، والمستعد لتسوية يسمى إسرائيلياً، باليساري، أما اليميني فهو المعارض لهذا الفهم، واليمين الإسرائيلي الغالب، والأوفر حظاً لتشكيل الحكومة القادمة حتى الآن، يتنافس من خلال صراع شديد بين تشكيلاته وأحزابه على الصوت الإنتخابي، عبر تسابق في تبني مواقف وسياسات يمينية متطرفة، برز ذلك أولاً في الإنتخابات التمهيدية لحزب "الليكود" التي تقدم بها مستوطنون لامعون، يُشهد لهم بالتطرف مثل موشيه فايجلن، وهُزم من عُرف عنهم بالليبراليين مثل دان ميرادور، وتعزز يمين "الليكود" أكثر بالتحالف مع حزب "إسرائيل بيتنا"، ضمن إطار التحاف الجديد "الليكود بيتنا"، هذا الإنحراف اليميني - اليمني لم يتوقف عند هذا الحد، فالمعطيات تفيد بأن الفرز المجتمعي اليميني دفع الكتلة اليمينية برمتها لتصبح أقرب إلى أقاصي يمين المشهد السياسي القادم، من خلال تقدم حزب "البيت اليهودي" بقيادة نفتالي بناط، كونه ينمو ويزداد عدةً وعدداً وفق إستطلاعات الرأي على حساب "الليكود بيتنا" وعلى حساب قوى متطرفة أخرى حظوظها في التمثيل متأرجحة مثل حزب "عوتسماه لإسرائيل" برئاسة أريه إلداد.

الوسط أو ما يصطلح على تسميته بالمركز واليسار، حزب "العمل"، "تنوعاه" (الحركة)، و"ياش عتيد" (يوجد مستقبل) وأحزاب اليسار الأخرى، ما زالت لا تستطيع المنافسة على تشكيل الحكومة، وفرض أجدنتها، حتى أن حزب "العمل" برئاسة يحيموفتش، تحرص على إبراز حزبها على كونه ليس باليساري، وإبتعدت عن طرح أجندة سياسية واضحة لهذا السبب، وجعلت الغلبة والإهتمام للقضايا المجتمعية والإقتصادية في برنامجها الإنتخابي، مما أدى لترك عمير بيرتس الحزب قبل وقت قصير من تسليم القوائم للجنة الإنتخابات، وإنضم لحزب الحركة "تنوعاه" برئاسة ليفني، هذه الكتلة ليست بأحسن حالاً من كتلة اليمين، كون الصراع ما زال بين أقطابها ولم ترقى بعد لإحداث خرق وكسب أصوات من القطاعات الشعبية الداعمة لليمين، لتشكل بذلك تهديدا لفرص اليمين في تشكيل الحكومة القادمة.. هي فعلاً حالة من الجمود في حجم المعسكرات ما يعني إستمرار للوضع السياسي القائم خاصة فيما يخص الصراع العربي الإسرائيلي وبالتحديد ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، بل أن الوضع يبشر بمعطيات قد تكون أكثر سوء..!!

تهديدات أقطاب اليمين المشكلة للحكومة السابقه، تم تنفيذها بصمت ودون إحداث ضجيج إعلامي، الإنفتاح على قطاع غزة واحد من هذه التهديدات، كون "حماس" في نظرهم قد يتم تطويعها لتشكل البديل لحصان لم يذعن لتأليفهم، كأن هذا الحصان غير قادر على العودة للحياة التي كانت والإستفادة مما تركته "حماس"، سواء كان بتبني للتطرف، والإستيطان توسعاً وإمتداداً خاصة في القدس، خطوات ضم غير معلنة، والحصار الإقتصادي للحكومة الفلسطينية ولمنظمة التحرير ومشروعها الوطني دولة فلسطين، ليس فقط تأكيد رفض حل الدولتين، بعد أن غاب عن برنامج "الليكود بيتنا" وبإصرار، ما تضمنه خطاب نتنياهو في بار إيلان عام 2009 إشارات حول قبول دولة أخرى غربي النهر، بل هي سياسة بداية التدمير والهدم لكل ما هو قائم، مما أفرزته الإتفاقات بين منظمة التحرير وإسرائيل، إنعكاسات هذه السياسة على إسرائيل قد تتعدد الأوجه والمضامين، دولية وقانونية وحتى في داخل حدودها، وقد تكون أمنية وإقتصادية، لكن لا يستطيع أي من المتابعين أن يتوقع مدى فاعليتها، كون هذا يعتمد على جدية الأطراف التي قد تمارسها، مع ذلك يمكن توقع أوجه الرد الإسرائيلي، والذي عبر عنه رئيس الكنيست المنحلة رؤوبن رفلين، حين توقع بأن تكون مدة الحياة للحكومة القادمة ليس أكثر من عام واحد، تجري بعدها إنتخابات عامة جديدة في إسرائيل مع نهاية 2013، أو بداية 2014. 

الهروب الإسرائيلي سيكون نحو الإنتخابات، كونها ستكون الطريقة الوحيدة التي ستمنحهم المزيد من الوقت، وحتماً سيكون لهم ذلك، كون العالم الغربي وعلى رأسه الولايات المتحدة ستساند ذلك على أمل إحداث تغيير، أصلاً لن يؤدي لما هو أفضل مما كانت عليه نتائج كل الإنتخابات التي حدثت منذ مدريد وحتى الآن، وحتماً ستكون الإنتخابات الأمريكية على الأبواب، لأن إجراء الإنتخابات وتشكيل الحكومات يحتاج لوقت، وهكذا سيكون على الفلسطينيين الإنتظار مرة أُخرى حتى إنتهاء الإنتخابات الأمريكية وتشكيل الحكومة.. إذن هي لعبة الإنتخابات ودوائر المتاهات لتضييع الوقت ليس أكثر، وإسرائيل بذلك تمرر كل ما أُنجز على الأرض كواقع، ويكون المطلوب مواجهته ما سيثار من جديد، كمخططات البناء الموعودة للعام 2013 في منطقة القدس والتي تُقدر بـ 20 ألف وحدة سكنية، هذا بالإضافة لما أُعلن حتى الآن.

دولة فلسطين المعترف بها من الغالبية العظمى في العالم، تُغيبها دورات الإنتخابات، بل تهدد وجودها وكينونتها، وكأن العمليات الديمقراطية تعادي تجسيدها، وتُستخدم لقبرها، فهي أبداً لن تفرز، لا في إسرائيل ولا في أمريكا من يؤيدها ويفعل من أجل ولادتها، خاصة إذا كان الإنتظار هو السبيل لمولود ديمقراطي غربي وإسرائيلي يحملها كهدف له.. دولة فلسطين تكون إذا حملها شعبها وقدم من أجلها الغالي والنفيس، وصاغ بتوحد برنامج المواجهة من أجل تجسيدها، فلم يبقى شيء يخسره أكثر مما هو قادم، لأن ما يمارس الآن أبداً لن يقود لنتائج غير الأبرتهايد، حتمي الكينونة والممارسة قبل بلوغ الحقوق في إطار دولة واحدة ثنائية القومية، هذا ما علينا الفلسطينيون فهمه وما على العالم أن يتصرف على أساسه.. الفعل الإسرائيلي يجب أن يواجه بفعل فلسطيني يوازيه بالشكل والمضمون، خاصة وأن شعب فلسطين ودولته لم يعدموا بعد الوسائل ولا القدرة على إستخدامها، بل تعددت وسائلهم وتنوعت مصادر إمكانياتهم، خاصة بعد إعتراف العالم بدولتهم.

* أسير محرر ومستشار أول في سفارة فلسطين بالهند. - zuhairthth@gmail.com