تتسابق الدول المتحضرة في البحث العلمي وميادين المعرفة، وترصد ميزانيات ضخمة لذلك، ليسجل لها التاريخ لاحقا اسما في لوحة الشرف العالمية؛ إلا أن العلم قد يستغل أحيانا بطرق سلبية وقاتلة؛ كما حصل من ضرب أمريكا لليابان بالقنبلة النووية؛ وكما يحصل حاليا من استغلال رخيص من قبل دولة الاحتلال لاسم الجامعات ومكانها، ومكانتها العلمية، التي من المفترض أن تنزه عن الصغائر والنقائص، وتكون بعيدة عن سرقة ونهب الأراضي والدعاية الانتخابية الرخيصة.
اعتراف رئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو بكلية مستوطنة "اريئيل" كجامعة وبشكل رسمي من قبل دولته الفانية؛ هو دليل على أن قادة الاحتلال فقدوا رشدهم، وأخذتهم العزة بالإثم؛ بغرور القوة، وراحوا يتسابقون في استغباء العالم والدول الغربية المتحضرة نوعا ما، ويخالفون جهارا نهارا القوانين الدولية واتفاقية جنيف الرابعة؛ التي لا تجيز فرض وقائع على الأرض المحتلة وتغيير معالمها، وتحظر على الدولة المحتلة إسكان مواطني دولتها في المنطقة المحتلة.
فرض الوقائع على الأرض، وتكريس الاستيطان، وكسب أصوات الناخبين من المستوطنين هي أهداف محددة مسبقا من قبل "نتنياهو"، وهو يستسهل كل قرار يخص ويمس الجانب الفلسطيني الضعيف.
استيطان رخيص ومريح وغير مكلف، وثمنه رخيص جدا، هو ما يدفع "نتنياهو" لتحدي المجتمع الدولي، ولجعل الإعلان عن الاعتراف بجامعة مستوطنة "اريئيل" ضمن حملته الانتخابية كنوع من عرض العضلات المنفوخه المزيفة.
جامعة مستوطنة "اريئيل" التي اقرها "نتنياهو"؛ أقيمت على أراضي تتبع لمدينة سلفيت وقريتي اسكاكا ومرده، في قلب الضفة، وهي تم مصادرتها وسرقتها كبقية الأراضي التي سرقت لصالح الاستيطان في الضفة وما زال "الحبل على الجرار" كما يقولون.
بحسب المعطيات في إعلام الاحتلال فان الجامعة تضم 12 ألف طالب وطالبة. وإذا ما أضيف لها 20 ألف مستوطن سكان المستوطنة؛ فان المجموع يكون 32 ألف، وهو رقم كبير وخطير؛ يرينا إلى أي مدى تغول الاستيطان وصار كالسرطان المتفشي الذي لا يمكن إزالته ولا معالجته في القريب المنظور.
دموع التماسيح من قبل بريطانيا على الإقرار الرسمي للجامعة الاستيطانية؛ لم تنطلي على الفلسطينيين، فبريطانيا هي أصلا أصل الداء؛ أليست هي من أوجدت دولة الاحتلال؟ ودعمتها وأوقفتها على قدميها. وهي مسئولة تاريخيا عن مصائب ومحن الشعب الفلسطيني، وشريكة في جرائم الاستيطان بحكم زرعها اسرائيل في قلب العالم العربي والإسلامي، وفي أكثر المناطق حساسية في العالم.
في المحصلة والنتيجة النهائية؛ تنبع قرارات "نتنياهو" لفهمه طبيعة المرحلة التي لا تفهم لغة العواطف والحقوق؛ بل لغة القوة والمصالح، وهنا فان الغرب وأمريكا يذرفون دموع التماسيح على انتهاك "نتنياهو" القوانين الدولية، وفي حقيقة الأمر هم من يدعموه ويمنعون المس بدولته المزعومة.
منطق الأمور يقتضي أن يدفع "نتنياهو" ثمنا باهظا ومرتفعا لا يحتمله لمواصلة عجرفته بالاستيطان في الضفة والقدس؛ وهذا لا يكون إلا بالعودة إلى أشكال المقاومة المختلفة والمدروسة بدقة وعناية، والتي أقرتها وأجازتها القوانين الدولية نفسها، فهل يا ترى أينعت ثمارها؟ وحان قطافها، لننتظر ونرى.