2012-12-29

الاستخلاص الاستراتيجي في الفكر التفاوضي الصهيوني..!


بقلم: نواف الزرو

في خلفية التصعيد الاخير من جانب ليبرمان ضد الرئيس الفلسطيني ابو مازن، ورد عريقات عليه، ان الرئيس الفلسطيني هدد بحسب صحيفة "هآرتس" بحل السلطة الفلسطينية في حال تواصل الجمود السياسي بعد الانتخابات الإسرائيلية المقررة نهاية الشهر المقبل، فدعا ليبرمان من جهته الرئيس الفلسطيني إلى تنفيذ تهديده باعتزال الحكم، لافتا إلى انه "ينتظر بشغف إعلانا من الرئيس عباس بهذا الشأن"..!! فرد عليه صائب عريقات بانه مجرم ومستوطن ..الخ، فسواء صح ما نسب للرئيس ابو مازن ام لا، فان هذا الاشتباك هو حول استئناف المفاوضات او عد م استئنافها، وهذا شيء مؤسف ان تواصل القيادة الفلسطينية التمسك بعملية المفاوضات مع قيادة اسرائيلية ليست ففط لا تريد هذه المفاوضات ولا تعبأ بها، بل هي تعمل على تدميرها  على الارض على مدار الساعة، اضافة الى اجماعهم الموروث قيادة عن قيادة على عدم جدوى السلام، ويعود ذلك الى مطلع القرن العشرين، حيث كان جابوتنسكي-الاب الروحي لزعماء الليكود واليمين الصهيوني-قد خلص الى استنتاج استراتيجي فيما يتعلق بالعلاقة مع عرب فلسطين رفض فيه"اي امكانية للتوصل الى اتفاق سلام مع عرب فلسطين دون بناء الجدار"، مؤكدا: "ان الطريق الوحيد الذي يقود الى التعايش بين العرب واليهود في فلسطين هو من خلال بناء جدار لا يمكن اختراقه"، وبذلك يكون جابوتنسكي قد رفض"اي اتفاقية بين العرب واليهود قبل ان تجهز الصهيونية على فلسطين وقبل ان يتم اقامة الجدار الحديدي-بالمهنى الصهيوني-".

وعلى النهج ذاته كان بن غوريون مؤسس الدولة العبرية قد نظر حول المسألة نفسها في رسالة بعث بها الى المجلس التنفيذي للوكالة اليهودية في 9/6/1936 حيث اصر على: "ان السلام مع العرب هو مجرد وسيلة للوصول الى الهدف، وحاجتنا الى اتفاقية ليست من اجل اقامة سلام في هذا البلد، فالسلام بالنسبة لنا هو وسيلة فقط، والغاية هي التحقيق الكامل والتام للصهيونية، ولهذا السبب فقط نحتاج الى اتفاقية".. وقد اصر بن غوريون على رأيه بأن "اي اتفاقية مع العرب بشأن الهدف النهائي للصهيونية هو امر يمكن تصوره، لكن على المدى الطويل"، موضحا: "ان الاتفاقية الشاملة غير مقبولة الآن، لانه فقط بعد اليأس الكامل من قبل العرب، يأس يأتي ليس فقط كنتيجة لفشل اعمال العنف ومحاولات التمرد - من قبل العرب -، بل ايضا كنتيجة لتنامي وجودنا في البلاد يمكن للعرب ان يذعنوا في ارض اسرائيل اليهودية".

  فالتشابه كبير هنا بين استنتاج بين غوريون وااستخلاص جابوتنسكي، فالاول الاب الروحي للحركة العمالية المؤسسة للمشروع الصهيوني وللاستيطان السرطاني، والثاني لليكود واليمين المتشدد، ومنهما الى القيادات الاسرائيلية المتعاقبة.

   -  فما الفرق ما بينهما وبين لاءات واشتراطات نتنياهو الاخيرة، ومن قبله اورلمرت و شارون، او باراك مثلا...؟، ام ان ما يجري اليوم هو ذروة التجسيد لنظريات وتنظيرات بن غوريون وجابوتنسكي؟

كان اسحق شامير في عهده رفض رفضا قاطعا اي مؤتمر للسلام، واي تسوية دائمة مع العرب، واقواله حول مدريد تدوي حتى اليوم، حيث اعلن انه "سيجعل المفاوضات تستمر عشر سنوات او عشرين سنة دون نتيجة"، ولكن الجنرالات الذين اتوا بعده مددوا المدة الزمنية الى خمسة عشر سنة، ثم يأتي ليبرمان ليمددها الى خمسة وعشرين عاما،  ليأتي نتنياهو ويمددها الى ستين عاما، وكلهم يتفقون على استحالة التسوية، الى ان يأتي جيل فلسطيني جديد يقبل بالروح الصهيونية للتسوية.. وهكذا..!!

ففي الصميم لم يكن شامير يؤمن بغير القوة والارهاب، واسحق رابين لم يختلف عنه في الجوهر، وكان شمعون بيريز سفاح "قانا" توأم رابين في النهج.

اما الجنرال باراك ووزير الحرب اليوم، فكان ربما اوضح من صاغ هذه المعادلة حينما اعلن اكثر من مرة: "ان انتصار الصهيونية لن يكتمل الا بالسلام مع جميع جيراننا"، اما السلام الذي اراده باراك فيستند حسب اعتقاده وكما اوضح الى: "ان اسرائيل اقوى دولة في محيط 1500 كيلومتر"، والى "ان اسرائيل دولة قوية جدا، وعندما اتحدث عن القوة لا اقصد فقط الجيش الاسرائيلي، وانما القوة الشاملة بدءا من معهد وايزمن وفرقة بات شيبع والفرقة الفيرهمونية، ووصولا الى المفاعل النووي في ديمونة".

فهل يرى احد يا ترى اليوم ان الثلاثي نتنياهو- ليبرمان- باراك يحملون لنا غير تلك الاجندة الجابوتنسكية فيما يتعلق بكل حكاية المفاوضات والسلام..؟!

نحن في الحقيقة أمام مشهد سياسي ومسار تفاوضي عقيم، وامام خيبات أمل فلسطينية وعربية متلاحقة من حكاية عقم المفاوضات، وامام حسابات فلسطينية لم تتطابق فيها أبداً حسابات الحقل مع حسابات البيدر تفاوضيا، الأمر الذي يبقي الملفات مفتوحة على كافة الاحتمالات، بما فيها الاحتمال المرجح دائما في ظل احتلال بلا افق سياسي استقلالي، وهو حتما الانتفاضات واسعة النطاق.

* كاتب وباحث فلسطيني متخصص في الشؤون الإسرائيلية، يقيم في الأُردن. - Nzaro22@hotmail.com