الشهادة رأس حربة المواجهة، عندما تكون هي الطريقة الاحترافية نحو الوطن، نحو زرع ابتسامات الأطفال وزرع حدائقهم بالأمل، ولكن أية مواجهة وحربة حين تقضي شهيدا في السجن وجموع العالم المتكالب على قضية الشعب العربي الفلسطيني يترصد ويتربص لك ليحول دون حريتك وحياتك الكريمة التي يناضل لها الشعب العربي الفلسطيني منذ ما يزيد عن الستة عقود ونيف.
أن يقاوم الإنسان بأمعائه الخاوية فذلك هو الأيقونة الوحيدة للشعب والوطن عبر مفهوم الأسرى البطولي للجوع مؤكدين أن الانتماء الذي في أمعائهم هو وحده من يحدد خريطة الوطن، يمتنعون عن الأكل من ثوم وبصل وعدس وقثاء الأرض نحو رؤية وتقدم وإستراتيجية الدفاع الأجمل والأروع والأكثر تضحية في مواجهة دولة السجان، معبرين عنه من خلال المأثرة الفردية في تعزيز المفهوم البطولي بالانتماء للجماعة.
الأسرى المضربون عن الطعام هم شهداء مع وقف التنفيذ خلف جداران سجون الاحتلال وأسلاكه، وهم الثوار المدافعون عن شهداء غزة وحصارها اللامتوقف، الأسرى المضربون والأسرى الميامين وحدهم الأنبياء المرسلين والأمناء على كرامتنا الوطنية والشخصية فأي قيمة للكرامة الفردية إذا ما انفصلت عن الكرامة الجماعية؟
الأسرى المضربون عن الطعام، وهنا تجدر الإشارة إلى أن كل الحركة الوطنية الأسيرة مضربة عن الطعام بالمقارنة مع نوعية الطعام وكميته الذي تفرضه إدارة مصلحة السجون النازية على جيش أسرانا لتحرير فلسطين، الأسرى المضربون عن الطعام والمتحاربون مع أمعائهم الخاوية والمبعثرة على الأسلاك والسياج وأحد عشر بابا مقفلا عليهم هم كالبقرة التي غناها الشيخ الجليل إمام، إنهم رواد المرحلة بالتفكير الخلاق والإبداعي بالحرية على طريق الجوع رغم قسوة الاسمنت المسلح والجدران وحجب الضوء وصوت الأجراس والآذان، ورغم منع الرياح والعزل والبطش والخنق، فوحدهم يعلم كيف يزرع زيتونة للوقت ويربي غرسة للحياة ساجدين بين الشهادة والحرية في كل دقيقة.
رفيقي الحبيب سامر: إلى ومضاتك المسلحة بالمبدأ والفكرة والهدف، ومضات الكبرياء المقدسي العظيم، هكذا ببساطة حيث تبلغ بمحبتك لشعبك وقدسك وقضيتك هذه العظمة فحتما ستعود إلينا كالطوفان، وتخرج إلينا لتقرا تراتيل الصلوات وأحكام النضال، وتستحضر في زنزانتك الرثة المدججة بالروائح الكريهة وفراشها الخرافي الغريب الأطوار وتشكيلها الهندسي اللعين الملامح لا تقلق؛ فمعلمنا الشهيد مانديلا فلسطين هو من هنا، من الأرض ذاتها التي باركها الله وبارك حولها وبارك من صان حق شعبها بنضال إلى يوم التحرير، ففي رحلة المجد الأول لرفيقنا الشهيد الخالد عمر القاسم كانت روحه تبث فينا رسائل الصمود والتحدي ومقارعة السجان، تتعدد القصائد وتبقى وحدك ماضيا نحو القدس، القدس التي تحبها وتشتاق لملامسة حجارتها العتيقة وشوارع القيامة والصلوات والأذان في طريق الآلام نحو غد أكثر بهاءً وإشراقا.
العالم الذي يلقي بثقله فوق أجساد أسرانا، لا يعلم انه لم يعد المجد لله في العلى بعدما وقف الأسرى الفلسطينيون في طابور الشهداء الكثر مع وقف التنفيذ، والعالم يقلب عن صورهم في رحلة الحياة البرزخية نحو فلسطين الجميلة الحالمة بحياة، ويمضي العالم لتبقى لأرض غزة المليئة بالخراب والدماء أمنيات المحبة والسلام، فيفقد العالم مسرته حين يبقى أسرانا لابسين وجع القهر والخذلان والحنظل، غير مكترثين لسادية هذا العالم ووحشيته، وهم يأكلون الجوع والحرمان ويضيئون شموع الأمل والحياة، ليشكل كل واحد منهم يسوعا جديدا باسم القدس.
الأسرى المضربون عن الطعام والأسرى رفاق وإخوة القيد والخيمة والبرش، إن وقف التنسيق الأمني وتحقيق المصالحة الوطنية الفلسطينية ووقف برامج التطبيع مع الاحتلال جاء تقديرا لتضحياتكم الجسام وصونا لحقكم في الحرية والحياة، وان قضى أحدكم شهيدا ليخبر الشهداء في عليين أن الوطن بخير ولم نعد نقتل بخطيب المساجد كاتم الصوت ولم يعد هناك تحريض وتراشق إعلامي وان مهزلة الاعتقال السياسي واختيار الركبة التي يخير صاحبها فقدانها قد انتهت من قاموس الفلسطيني للأبد، ونحن نعتصم بالشوارع والساحات وفي مقرات الصليب الأحمر تحية لجوعكم وصمودكم مطالبين بحريتكم على طريق تحرير الشعب وخلاصه من الاحتلال، وأخيرا لم يعد لدينا اختلافٌ على مكان إقامة عرس انطلاقة أبناء الغلابة في قطاع غزة وسيخرج كل أبناء حماس واليسار (إن كان هناك يسار) للاحتفال مع عقل الشعب الفلسطيني الذي إذا صلح هذا العقل صلح باقي الجسم غدا.