2012-12-28

المصالحة الوطنية الفلسطينية ما بين التلهي والترجي..!!


بقلم: عبدالحميد الشطلي

من نافل القول، أن الحديث عن المصالحة الوطنية، أو الوحدة الوطنية، ليس حديثاً للصالونات السياسية، أو المحافل الإقليمية والدولية، أو عملية تبويس لحى، أو تبويس شوارب، أو تطيب خواطر لهذه الفئة السياسية، أو تلك، وهي لا تأتي بالخطابات الرنانة وفصيح المعنى وحلو الكلام لماذا؟ لأنها فعل واعٍ ينطلق من ضرورات حفظ مصالح، وتحقيق أهداف عليا للشعب، تتضمن توظيفاً أمثل، وأنجح في سلم الأولويات يسهم بإنجاز أفضل في سلم الأهداف والحقوق المشروعة للشعب. 

إن مفاهيم الوحدة الوطنية، مفاهيم عابرة للانتماءات ينبغي أن توصل لتعميق الانتماء للوطن أولاً، وللوطن أخيراً، وهي فوق اعتبارات الصراع على السلطة، وفوق اعتبارات المعارضة، أو الموالاة، وهي لا تقبل المبررات، الأعذار والتي تسوغ للتسويف، أو التأجيل وإن حِيكت بكل أحابيل المنطق الأرسطوي إخراجاً وإعلاناً.

أي منطق هذا والذي يسوغ الاتكاء على القراءات الخاصة للمصالح السياسية للأطراف لتسويغ إدامة الخلافات، بما يؤدي إلى الأضرار بالمصالح الوطنية العليا للشعب، إن فذلكة المصالح الخاصة هي التي تغلّب الأهواء الخاصة، والمنافع الخاصة الضيقة لفئة، أو فئات، أو قوى هنا أو هناك، وبهذا الشكل أوذاك على مصالح الشعب الكبرى، وأهدافه، وأحلامه بالحرية، والكرامة، والتقدم. 

لماذا كل هذا الحديث عن مفاهيم الوحدة الوطنية، ولماذا الآن؟
لأن الشعب الفلسطيني قد مل، وشبع تلويحاً بالمصالحة والوحدة الوطنية دون تحقيقها.

وكل الخطوات التي قُطعت في المؤتمرات، واللقاءات في عواصم الدول العربية، وأبرزها في القاهرة، لم ينجم عنها خطوات أسفرت عن قطع مسافات جدية وجادة على طريق استعادة الوحدة الوطنية، بل جاءت وكأنها خطوات مراوحة بمنطق (مكانك عد).

لم يعد المواطن الفلسطيني في أصقاع العالم عامةً، وفي فلسطين خاصةً مقتنعاً بأية سياسات لا تؤدي إلى وحدة الوطن أرضاً وشعباً وأهدافاً بحقوق مشروعة.

قبل عدة أيام، نقلت صحيفة "الحياة" حديثاً عن المصالحة الوطنية للأخ عزام الأحمد مسؤول ملف المصالحة، وعضو اللجنة المركزية لحركة "فتح"، أوضح فيه، سبب تأخر اجتماعاتها إلى "انشغال حماس بترتيب أوضاعها الداخلية، والأحداث الحالية في مصر"، ورأى الأحمد أن "قطار المصالحة توقف منذ الثالث من تموز نتيجة منع حركة حماس لجنة الانتخابات المركزية من استكمال عملها في غزة"، لماذا التلكؤ؟! 

بعدما استبشر الشعب الفلسطيني خيراً بومضات الوحدة الوطنية بعد الحرب الأخيرة على قطاع غزة، ونجاح فلسطين بالحصول على صفة عضو مراقب في الأمم المتحدة بأصوات مائة وثماني وثلاثون دولة عضواً في المنظمة الدولية، وما استولد من مناخ عبّر عن نفسه بعواطف جياشة، ومشاعر وطنية وحدت الفلسطينيين في أركان المعمورة، نجم عنه انفتاح بين حجري الرحى في الحالة الفلسطينية "فتح" و"حماس" باحتفالات، ومهرجانات، وحلو الكلام، ولكن بعد هذا وذاك، أين المصالحة الوطنية؟ وأين الوحدة الوطنية؟ ولماذا الغوص في مياه التأجيل والتسويف الآسنة؟ وماذا عن كل تلك الخطابات، والتصريحات، الأقوال، والمداعبات السياسية، وحديث المناخات الإيجابية؟ هل هي كلاماً تذروه الرياح؟ أم ذراً للرماد في العيون، أم ماذا؟ لماذا كل هذا التراخي، والتلهي بمصير الشعب الفلسطيني وبأهدافه الوطنية العليا؟ 

((إن الإمساك بالحلقة المركزية من السلسلة يؤدي إلى الإمساك بكل حلقات السلسلة)) والحلقة المركزية في الأهداف الفلسطينية الراهنة، هي المصالحة الوطنية، والوحدة الوطنية.

ألا ترون أن نتنياهو ماضٍ في تفكيك الوحدة الجغرافية والسياسية، لما يسمى دولة فلسطين إلى كانتون (دولة غزة)، وكانتون (دولة رام الله)، وأنه ضرب صفحاً بكل العملية السياسية، وأن فكرة حل الدولتين، ذهبت أدراج الرياح، وحتى الرباعية وقراراتها، أصبحت في الباي الباي، وفي العسل، فماذا تنتظرون؟ لن يحمل لنا جبريل دولة من السماء على طبق من ذهب، فزمن الوحي انتهى (بعد الرسول الكريم/ محمد بن عبد الله صلعم).

لم يعد مفهوماً تقويض جهود المصالحة الوطنية، والوحدة الوطنية من أي كان، ومرفوضاً رفضاً مطلقاً حساب المصالح الفئوية والضيقة لأي طرف كان، عن أية محاصصة يتكلم بها البعض وحكومة اليمين الفاشي في إسرائيل تأكل الكعكة كاملةً تاركة لكم قعرها فقط.

المنطقة برمتها تقف أمام حالة انعطاف هامة، فأين نحن منها؟ من يريد أن يسجل أهدافاً في الملعب، عليه أن يكون لاعباً ضمن فريق لعب، وأهم مقومات تسجيل الأهداف والتواجد في الملعب، هي الوحدة الوطنية، إن إخراج فلسفة المصالحة، والوحدة الوطنية من حالة الوعظ، والمناشدة، والتمني تتطلب جهداً جدياً من الحالة الشعبية الفلسطينية أولاً بالضغط على كل الأطراف، والأطراف النافذة بالأساس، وخروج الحالة الفصائلية من مترتبات تحميل المسؤولية، وكفى الله المؤمنين شر القتال، إلى حال تحشيد الحالة الوطنية والجماهيرية بخطوات فاعلة على الأرض لتصبح الوحدة، والمصالحة أمراً نافذاً، وليس كلاماً فحسب، بما يحقق برنامج مواجهة وطنية سياسية وشعبية تنهض المقاومة بكافة أشكالها الشعبية وغير الشعبية مستفيدين من عبر ودروس تجربة الحرب الأخيرة على قطاع غزة، وما أسفرت عنه من نتائج انزياحات قليلة في التوازنات التكتيكية لصالحنا وصولاً إلى تحقيق أيقونات الثورة الوطنية التحررية، وحدة، وثورة، وحرية، أيقونات الثورة الوطنية.

* كاتب فلسطيني وأسير محرر. - abdelhamidabuwesam@gmail.com