2012-12-25

ماذا بعد الاعتراف بالدولة؟!


بقلم: ديــــــاب اللــــــوح

ماذا بعد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، رقم (67/19) بتاريخ (29 / 11/ 2012م)، الذي اعتمد فلسطين دولة غير عضو بصفة مراقب في الأمم المتحدة؟ سؤال يجب أن يحظى بالتفكير العميق في كافة الدوائر الفلسطينية لما يترتب عليه من مهام ومسؤوليات واستحقاقات وطنية وسياسية ودبلوماسية وقانونية، من أجل تحقيق الانتقال بالدولة إلى مرحلة العضوية الكاملة في الأمم المتحدة ومنظماتها كافة، وتجسيد إقامة الدولة المستقلة كاملة السيادة على الأرض، وإنهاء حقبة الاحتلال الإسرائيلي بكافة أشكاله.

إن اعتراف المجتمع الدولي  بفلسطين دولة غير عضو يُمثل بداية الطريق نحو تحقيق الاستقلال الوطني الكامل، فلازالت الدولة عبارة عن كيان معنوي، ودولة تحت الاحتلال، ولم يتغير من حقيقة أن الاحتلال الإسرائيلي مستفحل في الأراضي الفلسطينية، وهذا يتطلب من القيادة الفلسطينية رسم خارطة طريق المستقبل، وتحديد المهام والمسؤوليات، وتشخيص الاستحقاقات الماثلة أمام الشعب الفلسطيني، وكيفية التعامل معها، وإحداث النقلة النوعية المرجوة في الواقع السياسي والأداء الدبلوماسي، في إطار خطة مدروسة، والاستفادة من تجارب الآخرين، في إدارة هذه المعركة في الحلبة السياسية والدبلوماسية والقانونية الدولية .

ونحن على أبواب عام (2013م)، وأمام هذه المهام والمسؤوليات والاستحقاقات الوطنية والسياسية والدبلوماسية، تتطلب وضع خارطة طريق تحدد مسار التحرك في المراحل القادمة، ومن الأهمية بمكان عدم حرق المراحل، وأن تأخذ كل مرحلة حقها في التفكير والدراسة والعمل، وإحكام فلسفة وسياسة تثبيت الإنجاز، والبناء عليه، لتحقيق المزيد من الإنجازات، وتحسين مستوى العمل والأداء، بما يؤكد مكانة الدولة وشخصيتها القانونية الدولية، وتعزيز قدرتها على التواصل مع دول العالم كافة المؤيدة والمعارضة والممتنعة والمتهربة، وإقامة علاقات دبلوماسية ناجحة معها، وبلورة شخصية ومكانة الدولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة ومنظماتها كافة، مما يستدعي المباشرة في إعداد خطة عمل تتضمن عمل تشخيص دقيق وجرد شامل للمهام والمسؤوليات في هذه المرحلة، وتحديد مهام ومسؤوليات كافة الدوائر الفلسطينية.

ملامح خطة العمل والتحرك


أولاً / استعادة الوحدة الوطنية:
من الضرورة بمكان الاستفادة من المناخ الوطني العام الجيد الذي تبلور بعد الحرب على غزة، ونيل الاعتراف الدولي بفلسطين دولة غير عضو في الأمم المتحدة، من أجل إنهاء الانقسام الفلسطيني، وتحقيق المصالحة الوطنية والمجتمعية والأهلية في الواقع الفلسطيني، لاستعادة الوحدة الجغرافية والسياسية، وبناء الشراكة الوطنية العميقة في الواقع السياسي والمجتمعي الفلسطيني، وهذه الخطوة تُمثل حجر الزاوية  في بناء الصرح الوطني والسياسي الفلسطيني.

ثانياً / تشكيل حكومة فلسطينية واحدة:
تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية (حكومة دولة فلسطين)، على أساس من الشراكة الوطنية والسياسية الشمولية، وبرنامج وطني واحد يستند إلى الثوابت الوطنية والمصالح العليا للشعب الفلسطيني، لهو الخطوة الجادة التي تعكس الإرادة السياسية العليا لكافة الأطراف ، للخروج من مرحلة الانقسام المرير إلى مرحلة البناء الوطني الشامل والنضال السياسي في مرحلة تجسيد إقامة الدولة المستقلة على الأرض، وأن تكون هذه الحكومة عنصر أساسي من عناصر تكوين الدولة الأساسية، وغياب عنصر الحكومة التي تنطق باسم الدولة وتبرز شخصيتها، وتؤكد وحدانية نظامها السياسي، من شأنه أن يخلق معضلات تعيق عملية الانتقال بالدولة من دولة غير عضو إلى دولة عضو كامل العضوية.

ثالثاً/ ممارسة الانتخابات الديمقراطية:
ممارسة الانتخابات، وتداول السلطة السلمي بشكل دوري وديمقراطي، يعزز ثقة المجتمع الدولي ومؤسساته في شخصية الدولة الفلسطينية والنظام السياسي الفلسطيني، فممارسة الديمقراطية وصيانة الحقوق والحريات العامة، والحفاظ على حقوق الإنسان، وتوفير حرية العمل السياسي، وتعميق ثقافة قبول الرأي والرأي الآخر، وإعمال الديمقراطية الشفافة، يحقق التنمية المستدامة في المجتمع الفلسطيني ويدعم بناء دولة القانون والمؤسسات، في ظل دستور يقر بالفصل الكامل بين السلطات، وبالمساواة بين الجميع أمام القانون والقضاء.

رابعاً / تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية:
تتطلب المرحلة الحالية، مباشرة العمل لاستنهاض منظمة التحرير الفلسطينية، وتفعيل دورها، وإبراز شخصيتها الوطنية والسياسية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده، وقائدة نضاله الوطني العادل، لاستكمال إنجاز المشروع الوطني، وتحويل الدولة من كيان معنوي إلى كيان سياسي وقانوني كامل ومستقل على أرض الواقع.

  خامساً/ على المستوى العربي:
المسؤوليات والاستحقاقات الوطنية والسياسية الماثلة أمام الشعب الفلسطيني تستوجب العمل على تعزيز العلاقات مع الجماهير العربية، وإعادة بناء ومد جسور الثقة والتعاون مع الدول العربية كافة، فالدعم العربي أساس الدعم الدولي للشعب الفلسطيني ودولته المستقلة.

  سادساً/ على المستوى الخارجي:
العمل على تعميق التحالفات الإقليمية والدولية، واستخدام كل وسائل الضغط الدولي المتاحة على إسرائيل وحكومتها، لاحترام إرادة وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالصراع والقضية الفلسطينية، وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حق تقرير مصيره الذي دعمته (179) دولة من دول الأمم المتحدة.
وكذلك العمل بأسرع ما يمكن من أجل الانضمام إلى المعاهدات والمواثيق والبروتوكولات الدولية (31 بروتوكلاً وميثاقاً)، والانضمام إلى اتفاقيات جنيف الرابعة، وتصبح فلسطين طرفاً فعالاً في هذه الاتفاقيات وعضواً في المنظمات الدولية كافة، والتي عددها (16) منظمة، والانضمام إلى نظام روما الأساسي الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية.
 
سابعاً/ تدويل الصراع والحل
إذا ما استمرت الحكومة الإسرائيلية في رفض تجميد الاستيطان والإفراج عن الأسرى والعودة إلى طاولة المفاوضات، هذه المفاوضات التي وصلت إلى طريق مسدود بسبب تهرب ومماطلة الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة من الالتزامات المنصوص عليها في اتفاق أوسلو وخطة خارطة الطريق، وبعد فشل كافة الاتصالات الثنائية بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، وبعد انكشاف حقيقة الدور الأمريكي المنحاز لإسرائيل وفقدانه أهلية القيام بدور الراعي والوسيط النزيه لعملية السلام، لا بد من تدخل دولي قوي وضاغط، لعقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط، يعكس إرادة المجتمع الدولي ودور مؤسساته وفي مقدمتها مجلس الأمن الدولي، لحل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وإنصاف الشعب الفلسطيني، ورفع الظلم التاريخي الواقع عليه، وتمكينه من تجسيد إقامة دولته المستقلة على أرضه، هذه الدولة التي تُمثل إرادة الشرعية الدولية، ومدخل لجلب الأمن والسلم لمنطقة الشرق الأوسط الذي هو أساس الأمن والسلم الدوليين.

ثامناً: استمرار دور الدبلوماسية العامة النشط:
بذلت الدبلوماسية الفلسطينية في العام المنصرم ما بين دورتي الأمم المتحدة في عامي 2011م و2012م جهوداً متميزة، شارك في إدارتها وقيادتها وتصويبها الرئيس، والقيادة الفلسطينية، ووزير الخارجية، ووزارة الخارجية، والسفارات الفلسطينية، بدعم من جامعة الدول العربية، والدول العربية والأصدقاء، الذين عملوا كتفاً بكتف مع الدبلوماسية الفلسطينية لكسب أكبر تصويت دولي ممكن لصالح الاعتراف بفلسطين دولة غير عضو بصفة مراقب في الأمم المتحدة.

  هذا الجهد والعمل الضخم بحاجة إلى استكمال على أساس خطة مدروسة تشمل أدق التفاصيل وتحدد مراحل التحرك، خاصة في كيفية انضمام دولة فلسطين إلى البروتوكلات والمنظمات الدولية كافة، ويشارك في وضع وتنفيذ هذه الخطة كافة الجهات الوطنية ذات الصلة، ويكون عنوانها وزارة خارجية دولة فلسطين، التي تمثل عنوان الدبلوماسية الفلسطينية العامة، والتي أثبتت أنها الجهة القادرة والمؤهلة لإدارة هذه المعركة الدبلوماسية وتحقيق أهدافها.

* الكاتب أحد قياديي حركة "فتح" في قطاع غزة. - diab.n.aa@gmail.com