قيادات فتحاوية تعوم على شبر ماء. تركض في اوهام حساباتها الصغيرة، وتبني ابراجا دون قواعد ارتكاز في قراءتها لموقف حركة "حماس" من المصالحة الوطنية وباقي التفاصيل ذات الصلة بين الحركتين الكبيريين في الساحة الوطنية.
مما لا شك فيه، ان العدوان الاسرائيلي على محافظات الجنوب في الـ 14 من نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، والانتصار السياسي، الذي حققته القيادة في الامم المتحدة برفع مكانة فلسطين لمكانة دولة مراقب، احدثت كسرا نسبيا لحدة الاستعصاءات الحمساوية تجاه المصالحة الوطنية. وما عزز هذا الاعتقاد، هو الكلمة، التي القاها السيد خالد مشعل في ذكرى انطلاقة حماس الـ 25 في مدينة غزة، وايضا سماح القيادة السياسة لحركة "حماس" باقامة مهرجاناتها في مدن الضفة الفلسطينية، ومشاركة قيادات فتحاوية في انشطة وفعاليات "حماس" في الضفة وغزة.
لكن الاستنتاج آنف الذكر، لا يعكس القراءة العميقة لرؤية حركة "حماس" لدورها في الساحة، ولا لإثر التطورات في الساحة العربية على مكانتها الفلسطينية والعربية والدولية. انما هو محاولة وطنية لتعميم البعد الايجابي الناشىء في الميدان، والعمل على تعميقه، وتكريسه ليصبح واقعا يفرض المصالحة على الكل الوطني. فضلا عن ان فيها بعدا إرادويا إسقاطيا من البعض على التطورات الجارية، واطعام الذات اوهام الرغبة.
بالعودة الى جادة العنوان، فإن حركة "حماس" مازالت تماطل حتى الآن في السماح لحركة "فتح" باقامة مهرجانها المركزي بانطلاقتها الـ 48 في محافظات غزة. فلجأت قيادات الانقلاب اولا الى التضليل في البداية، باعلان "موافقتها" على اقامة المهرجان؛ ثم ثانيا صدور تصريح عن اجهزتها الامنية ينفي صحة ذلك؛ وثالثا تدخل القوى الوطنية لحث قيادة الانقلاب بالسماح لـ"فتح" باقامة مهرجانها، فتعود "حماس" للمناورة من خلال 1- إبداء الموافقة الشكلية؛ 2- ترفض إقامة المهرجان في ارض الكتيبة بحجة الخشية من تداعيات ذكرى إحياء الراحل ابو عمار الثالثة في 12 تشرين الثاني 2007؛ 3- تطرح خيارات مثل ارض المحررات او ملعب اليرموك الايل للسقوط والمدمر في العدوان الاسرائيلي الاخير، وجميعها اماكن لا تؤمن المكان المناسب لاقامة المهرجان؛ رابعا مازالت حركة "حماس" تعبث حتى اللحظة بقادة حركة "فتح" بشأن إقامة المهرجان.
القراءة الانية للمناورة الحمساوية، اولا تستهدف إفراغ شحنة الحماسة لدى قادة حركة "فتح" في غزة، وإفقادها الامل في إقامة المهرجان. ثانيا ايضا خلق حالة من الالتباس في اوساط المواطنين في إمكانية إقامة المهرجان، ودفعها لليأس والقنوط من عدم إمكانية ذلك. وثالثا زعزعة الثقة بخيار المصالحة، لاسيما وان الموضوعات المختلفة مرتبطة ببعضها البعض. ويخطىء من يقرأ عدم إقامة المهرجان خارج حسابات المصالحة الوطنية. ورابعا عندما تشعر قيادة "حماس" غياب الحماسة، وبلوغ درجة القنوط والاحباط درجة عالية في اوساط الجماهير الغزية عموما والفتحاوية خصوصا، قد تسمح باقامة المهرجان مع وضع كوابح وقيود تحول دون المشاركة الجماهيرية المعهودة.
غير ان القراءة البعيدة لمنع المهرجان، فتقوم على اولا حرمان حركة "فتح" من اي فرصة لابراز مكانتها كقوة رئيسية في محافظات الجنوب، لان حركة "حماس"، سعت خلال السنوات الست الماضية لاستصال حركة "فتح" من اوساط الجماهير، او على الاقل تقزيم دورها الى مكانة فصيل هامشي، وبالتالي لن تسمح لـ"فتح" باستعادة دورها الريادي. ثانيا حركة "حماس" ليست مستعدة للمصالحة الآن، ولا حتى بعد الانتهاء من انتخابات مجلس الشورى لرئيس المكتب السياسي، لذا ستبقى تناور من خلال طرح قضايا ثانوية امام عربة المصالحة للحؤول دون تقدمها. ثالثا تريد الهيمنة على منظمة التحرير اولا قبل الانتخابات التشريعية والرئاسية، وان تم تشكيل الحكومة، فلن تتمكن المصالحة من تجاوز عنق الزجاجة بسبب إستعصاءات قيادة الانقلاب. رابعا "حماس" اعدت العدة مع قيادة تنظيم الاخوان في قطر والسودان وعبر التنسيق الدائم مع مكتب الارشاد للاخوان المسلمين في مصر للسيطرة على مقاليد الامور في الساحة الوطنية، ليس فقط في غزة، بل في في غزة والضفة والشتات. خامسا هناك تطمينات لحركة "حماس" من قبل الغرب عموما وخاصة الاميركي، الذي ابرم اتفاقا مع حركة الاخوان المسلمين الدولية بدعم حركة الانقلاب في الهيمنة على زمام الامور في الساحة، خاصة وان "حماس" ابدت الاستعداد لتقديم تنازلات خطيرة تمس مستقبل المشروع الوطني، من خلال الموافقة على الهدنة الطويلة دون ثمن؛ والقبول بخيار الدولة ذات الحدود المؤقتة؛ وحتى لو حصل عدوان إسرائيلي قادم على محافظات غزة، فإن الهدف منه، تلميع حركة "حماس"، إضافة لتدمير الاسلحة، التي تم إدخالها، ويجري إدخالها حاليا للقطاع من ليبيا وسوريا وايران والسودان عبر سيناء.
لذا على قادة "فتح" فتح العيون جيدا، وعدم الركض وراء السراب، والتدقيق في ما يجب عليهم عمله لحماية الدور الريادي لحركتهم وقيادتهم.