تقدمت منظمة التحرير الفلسطينية بطلب للجمعية العامة للأمم المتحدة من اجل تغير مركز فلسطين في الأمم المتحدة 67/19 البند 37 في الجلسة العامة 44 2 9تشرين الثاني 20112، لصفة دولة غير عضو بصفة مراقب بعد إحباط محاولتها التي قامت بها عام 2011 لنيل العضوية الكاملة من قبل اللجنة المختصة بمجلس الأمن الدولي للعضوية بضغط أمريكي كبير حينها. وقد اعتمدت المنظمة في طلبها أمام الجمعية العامة لمنطلقات وأسس وقرارات دولية وتفاهمات متعددة منها مع دولة الاحتلال، لتطين المجتمع الدولي، والتذكير دوما بمنطلقات المنظمة وقيادتها التي اعتمدت مبدأ المفاوضات المباشرة، حتى تتجاوز محاولات التعطيل لهذه الخطوة أيضا من قبل الولايات المتحدة.
إذ استرشدت بميثاق الأمم المتحدة حول حق تقرير المصير والمساواة في الحقوق بين الشعوب، وكذلك أشارت المنظمة بطلبها لقرار الجمعية العامة 2625 بتاريخ 24 تشرين الأول 1970 والذي يؤكد على واجب كل دولة منفردة أو مشتركة بالعمل على إعمال مبدأ المساواة في الحقوق بين الشعوب وحقها في تقرير المصير. وأكدت المنظمة على مبدأ أهمية صون السلام الدولي وتوطيد أركانه على أساس الحرية والمساواة والعدل واحترام حقوق الإنسان السياسية، وكذلك قرار الجمعية العامة 181 لعام 1947 الذي اقر مبدأ الدولتين، مشددة على عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة وفق ميثاق الأمم المتحدة، مستندة بذلك للعديد من قرارات الجمعية العامة المؤكدة على هذا المبدأ. وتم الإشارة في الطلب أيضا لاتفاقية جنيف المتعلقة بحماية المدنين زمن الحرب 1949، وانطباقها على الأرض الفلسطينية المحتلة، وتؤكد المنظمة أيضا في طلبها على القرار 3236 لعام 1974، والقرار 66/146 لعام 2011 التي تعيد التأكيد على حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، بما في ذلك الحق في ان تكون له دولته المستقلة.
وبينت المنظمة في طلبتها ما لا يثير مخاوف أعضاء الجمعية العامة، خاصة الدول الأوروبية وغيرها من الدول التي لا تقترب كثيرا من الموقف الفلسطيني، بأنها وعلى الرغم من اعتمادها على القرارات سالفة الذكر حول الحق في تقريري المصير، واعتبار فلسطين محتلة، واتفاقية جنيف التي تشير إلى حالة الحرب، بأنها تعتمد في نضالها الوسائل السلمية لتحقيق حل الدوليتن والمفاوضات وليس ما يوفر للفلسطينين من الحق باستخدام كافة الوسائل لتحقيق حريتها واستقلالها. فأكدت على القرارات 43/176 لعام 1988، وقرار 66/17 لعام 2011 وجميع القرارات المتعلقة بتسوية قضية فلسطين بالوسائل السلمية، مع التأكيد على ضرورة حل مشكلة اللاجئين على نحو عادل وفق القرار 194 لعام 1948، ووقف الاستيطان بما فيها القدس الشرقية.
وحتى توضح الحالة الخاصة للقضية الفلسطينية، وخاصة تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية والحفاظ عليه دون تغيير في الوضع القانوني لهذا التمثيل، أشارت المنظمة في طلبها الى قراري الجمعية الخاصة بذلك عام 1947 3210، وكذلك القرار 43/177 لعام 1988 الذي اعترف بإعلان الدولة وقرار استعمال اسم فلسطين، بدلا من منظمة التحرير الفلسطينية في منظومة الأمم المتحدة، دون المساس بمركز المراقب للمنظمة ووظائفها في منظومة الأمم المتحدة.
وعززت المنظمة طلبها لتأكيد وتعزيز الطمأنينة لمختلف الأطراف، وكمحاولة لتحييد الموقف للولايات المتحدة تجاه توجهها للجمعية العامة، بأنها تقر بأن تحركها لا يغادر حدود المبادرة العربية للسلام المعتمدة من قبل مجلس الجامعة العربية عام 2002، والتزامها بالقانون الدولي، وحل الدولتين تعيشا جنبا إلى جنب مع " إسرائيل" والاعتراف المتبادل بين المنظمة ودولة إسرائيل عام 1993.
لم تتعمد منظمة التحرير الفلسطينية وعلى ضوء المتغيرات التي أصابت المنطقة العربية والتحولات التي أصابت النظام الإقليمي العربي والخلخلة لبنيان هذا النظام " المقصودة" من قبل النظام الدولي، الدخول في مواجهة مباشرة وحادة مع الولايات المتحدة، لكنها سعت من خلال خطوتها تجاوز عدد من مخرجات التحولات التي وقعت وكان لها فعلها على القضية الفلسطينية، وبما أن هذا الوقع يصيب القضية فإن له إسقاطات سلبية على مكانة ودور المنظمة وقيادتها ومكوناتها. فتعزز لدى المنظمة وقيادتها التوجه للجمعية العام، للحصول على مكانة دولة غير عضو، حتى تتمكن من تجاوز حالة التراجع والتهميش التي كان لها وقعها بعد العدوان على غزة والشعب الفلسطيني. واستطاعت المنظمة من خلال طلبها تحقيق الحد الأدنى من الانجازات لتجاوز المخاطر التي تحدق بالقضية الفلسطينية ومنظمة التحرير، وكذلك إنقاذ رؤية التيار التفاوضي الذي اقترب كثيرا من القناعة السائدة شعبيا وجماهيريا بأن العملية السياسية في المنطقة لم تحقق الحد الأدنى من تطلعات الشعب الفلسطيني.
وعلى المستوى الداخلي عززت العملية التحريكية لكيان الاحتلال على القطاع توجه المنظمة وقيادتها لإعادة الملف للأمم المتحدة، حتى تتمكن من تقليل الضرر الناجم عن إعادة الاعتبار لمكانة حماس لواجهة المشهد السياسي الفلسطيني، خاصة بعد تجاوز المنظمة وقيادتها في التفاهمات التي تمت برعاية إخوانية مصرية تركية، وقطرية، وبأشراف للولايات المتحدة المباشر. وقد تم ملاحظة ذلك من خلال التنافس ما بين طرفي الملف الفلسطيني وأدواتها السياسية والإعلامية على اتجاهات الرأي العام الفلسطيني، نصر حماس في غزة المقاوم، وانجاز خطوة الأمم المتحدة السياسية. وكان ما كان في خطابات وكلمات النصر لكلا الطرفين بعد الخطوتين، والحشد والتحشيد، وتعويم الرأي العام الشعبي اعتبرت لدى بعض المراقبين كمقدمة لتنافس انتخابي قادم عزز من خلال ارتفاع نغمة أصوات الداعين للمصالحة.
وبعيدا عن الأجواء التي سادت والتنافس وحديث المصالحة والتحولات التي تصيب الإقليم العربي، يمكن للفلسطيني النظر لمجمل التفاعلات التي شهدتها الساحة الفلسطينية والمشهد السياسي الفلسطيني، بأنها بقصد أو بغير قصد تصب لصالح القضية الفلسطينية على المدى الاستراتيجي القريب والبعيد. وعلى المهتم بهذه القضية عدم اتخاذ المواقف أحادية المنطلقات للتحليل، أو التفكير بالأبعاد "المناكفة" لمجريات الحالة على المشهد السياسي الفلسطيني. فما جرى في شهر تشرين الثاني عام 2012 كأحداث وبعيدا عن تفسيرات طرفي الملف الفلسطيني، جيد للقضية الفلسطينية على المدى البعيد والقريب، ومن ابرز ما تحقق ومن وجهة نظر هو فشل عملية تعزيز الانفصام والتقسيم للهوية الوطنية الفلسطينية، وتفتيتها وخلق حالة من الوعي المتعدد الذي يحمل بداخله التناقض والتمايز الحاد بين مكونات الشعب الفلسطيني أينما تواجد. فالحالة العامة والسائدة في المشهد الفلسطيني الشعبي التضامن الايجابي بين مكوناته أينما تواجدوا، تجاه العدوان وحيال خطوة الأمم المتحدة.
هذا أرغم كافة أطراف المشهد السياسي الفلسطيني التجاوب المباشر لهذه اللحظة العفوية والصادقة، لكنها المدافعة عن الهوية الوطنية، التغني بها والدعوة لإنهاء حالة الانقسام والتشرذم التي تكونت وتكلست منذ سنوات التسعينيات من القرن العشرين، لكن ما يقلق عدم البناء على هذه الحالة الشعبية والوطنية التي تخطت رؤية النخب المستفيدة من الوضع الراهن. ويمكن لهذه الحالة إنقاذ ما يخطط للقضية الفلسطينية، من مؤامرات بقصد أو بغير قصد، ولكن يجب تجاوز رؤية السائد من صياغات فئوية وغيرها كتحد حقيقي أمام من هم مؤمنين بهوية هذا الشعب ومستقبله وحقوقه الوطنية.
لا يختلف أحد على أن المقوم السياسي الفلسطيني تاريخا لم يغادر تكتيكاته واستراتيجياته المجربة عالميا ووطنيا، واثبت الواقع أن اعتماد وسيلة واحدة لتحقيق غايات الشعب الفلسطيني ضرب من ضروب الغباء السياسي والتاريخي، ومجريات تشرين الثاني أثبتت أن لدى الشعب الفلسطيني الحق باستخدام كافة الوسائل المقرة دوليا والمستخدمة عالميا، لنيل حقوقه الشرعية، وهذا تضمنه طلب المنظمة للجمعية العامة للأمم المتحدة من خلال التأكيد والاسترشاد والإشارة لكافة القوانين الدولية ومواد ميثاق الأمم المتحدة، وقرارات الجمعية العامة التي تمنح الحق للشعوب الخاضعة للاحتلال التحرر وحقها بتقرير المصير، وإقامة دولتها، وصياغة حيز قانوني ودولي لاستخدام الوسائل المتاحة لممارسة نضالها وبمختلف الأشكال، خاصة ان هناك إجماع على أن الوسائل المستخدمة، ليست هدفا بحد ذاتها. وعليه ملزمة الحركة الوطنية الفلسطينية بعد تشرين الثاني 2012 صياغة برامج جديدة لأشكال نضالية متعددة ومختلفة ومشروعة عمليا وواقعيا، ودوليا من خلال قرار الجمعية العامة 67/19 للجلسة العامة 44 يوم 29/11/2012.