2012-12-23

بين يَدَيْ عُطَيْلْ في خطة الآخرين


بقلم: آصف قزموز

كان ذلك منذ أوائل الستينيات من القرن الماضي، حين أصبح عُطيلْ عريف الصف، الذي يتمتع بكامل النفوذ والسلطان وحمل الصولجان، وينفذ تعليمات الأستاذ مربي الصف. وظل عُطيلْ طوال حياته المدرسية العاثرة عريف الصف من دون منازع على مر السنين والصفوف، فكان طويل القامة، عريض المنكبين، قوي البنية. فهو المتبقي الدائم الذي لا يتحرك من صفٍّ إلى صف، إلاَّ بعد استنفاده كامل الفرصة في الرسوب ويرفع للصف التالي إجبارياً بواسطة الترفيع الآلي، الذي لا يسمح للطالب بالرسوب لأكثر من سنة في الصف الواحد، وشتان ما بين نظام تعليم اليوم والبارحة، حيث يحرم ناجح التوجيهي هذه الأيام من استكمال دخول الجامعة إذا كان معدله أقل من 65%. ومع تكرار رسوبه، كان عُطَيل يزداد أهلية لعرافة الصف، لأنه الأقوى والأكبر سناً. فكان من بين مهماته أن يقوم بمسك وجزر التلميذ المعاقب أو الراسب في الامتحان وتثبيته بين يدي الأستاذ عند الفَلَقة على الرجلين أو القَفَا، تماماً كبعض النظم الحاكمة التي تمارس اليوم دور عُطَيل مع شقيقاتها العربيات. وكان أستاذ الانجليزي أو الرياضيات عندما يأتي بأوراق الامتحان، يأمر الراسبين أن يخرجوا على اللوح لمعاقبتهم (طبعاً كان عُطَيل في طليعة الراسبين دائماً وهو الراسب المقيم والمضمون رسوبه مئة بالمئة)، فيطلب من عُطَيل الإمساك بنا واحداً تِلو الآخر بين يديه الكبيرتين، ويثبت أقدامنا ولكن تحت ضربات عصا الأستاذ ونحن نتلوى بين يديه كالأفعى الجريحة ونصرخ ألماً، وهكذا ينفذ عُطَيل المهمة باقتدار لأننا الأضعف والأضأل حجماً منه، ثم يأتي دوره، فيصرخ به الأستاذ قائلاً: يلاَّ ولا يا عرص اقعد عالأرض وارفع رجليك لحالك، فيرفع رجليه بيديه وينهال الأستاذ عليه ضرباً بالعصا وهو يصرخ ويستغيث من الألم. وفي هذه الأثناء طبعاً تكون قد خفت آلام أرجلنا وتوقفنا عن البكاء، في حين يأتي عُطَيل إلى مقعده في آخر الصف وهو يبكي ويصيح من الألم، فنوسعه شتماً بكلام مقذع من الزنَّار وتحت، شامتين به أيَّما شماتة، لأنه هو من أمسك أرجلنا وثبتها تحت عصا الأستاذ اللاهبة، لكن في النهاية كان يرفع رجليه بنفسه تحت الفَلَقَة. يعني يا إخوان هذا كاس على كل الناس وما حدا راح يِمْلُص مِنُّو.

ففلسطين اليوم تئن تحت وطأة قرصنة جديدة وعدوان سافر وسافل على لقمة عيش المواطن وأسباب عيشه، بعدما طاولت أنياب الاحتلال والاستيطان الأرض والموارد والحقوق الوطنية والتاريخية تحت سمع وبصر عُطيْل، ممن تنكروا لمقولات "حِنَّا للضيف حنَّا للسيف وحنَّا للخيل والليل...الخ". وكل هذا يستهدف اليوم في ما يستهدف من حجز أموال الشعب الفلسطيني والتصرف بها على نحو غير مسبوق، لحصر السلطة الوطنية الفلسطينية في وضع مأزوم يحول دون قدرتها على الاستمرار في الوفاء بالتزاماتها تجاه شعبها، لا بل وشل قدرتها على أداء مهامها وواجباتها. وهو ما يشكل بمجمله انتهاكاً صارخاً لحق المواطن الفلسطيني في لقمة العيش وفي الحياة.

ولعلي لا أبالغ إذا قلت إن انحباس الالتزام المالي العربي وعدم الوفاء بما أقرته شبكة الأمان العربية على نحو يضع الشعب الفلسطيني في أتون ضنك العيش والجوع، لا يختلف عن بؤس موقف عُطَيْل مع زملائه والأستاذ. نعم، ها هي اسرائيل، تستبيح حقوق الفلسطينيين، بما في ذلك حقهم كبشر في الحياة. بالمناسبة، من سُخريات وتراجيديات القَدَرْ، أن نرى شعوباً ودولاً عربية كانت من أغنى الأغنياء، تعيش اليوم تحت ذات الوطأة والعصا والفَلَقة المسَلَّطة على الشعب الفلسطيني قَفَا ورِجلين، يا مِوْفِي الدِّيْن. إنه كاس على كل الناس وحين تدور الدوائر. بالمناسبة ولمن لا يعلم، فإن ما يصرف من أموال النفط العربي دعماً للجيش الحر في سورية يتجاوز المليار دولار شهرياً، في حين أن الشعب الفلسطيني يحتاج الى 240 مليون دولار شهرياً لمواجهة هذه التحديات والتعديات التي تحارب الفلسطينيين بلقمة عيشهم وحقهم في الحياة، وهذا مبلغ مؤقت فقط لحين الخروج من عنق الأزمة وردود الأفعال الاسرائيلية هذه. فأين شبكة الأمان يا عرب؟! ابْنِعذِركُم بس في حال عدم وجود فَكِّة أو فْراطَة عشان تِدفعولنا الـ100مليون دولار، مع انْهِنْ مِشْ مَدِّة بأعراف الماضي الجميل وأخلاقيات أيام زمان.. أمان يا ربي أمان..!!

في نطاق هذه الصورة المحزنة للصراع غير المتكافئ مع الحكومة الاسرائيلية، التي ترتكب اليوم كل هذه التعديات وتتصرف بتعب الفلسطينيين ولقمة عيشهم بحجة الانتخابات، وأعذار أخرى أقبح من الذنوب والجرائم التي يمارسونها ضدنا، عقاباً لنا على ذهابنا إلى الأمم المتحدة ونجاح فلسطين في الانضواء كعضو مراقب في هذه المؤسسة الدولية. يصبح لزاماً على سلطتنا وقيادتنا الفلسطينية أن تتخذ كافة الإجراءات والتدابير اللازمة لمواجهة التحدي، ولكن دون تسرع أو شطط أو أية خطوات غير محسوبة أو مدروسة بعناية.

لا أخفيكم ولربما مثلي الكثيرون، إنني كنت أعتقد بأننا نايمين على جوز قَصْ مثلاً، ومحضرين أنفسنا بخطة وخطط بديلة قبل ذهابنا للأمم المتحدة، لمواجهة كل التوقعات والاحتمالات وردود الأفعال المحتملة. وها نحن اليوم نكتشف أنه لم يكن لدينا ولا الحد الأدنى من الجاهزية في مواجهة التحدي. لا بل ولم نضع في اعتباراتنا حتى أسوأ الاحتمالات، مع أن مثل هذا الأمر لا يحتاج لكثير من الذكاء، ويقع في نطاق أبجديات وألف باء السياسة لدى أي أعمى أو بصير!! فالعلم والمنطق يقولان: "إذا لم تكن لديك خطة فأنت جزء من خطة الآخرين".

فالذين يصبّون وإن بصمتهم زيتاً على نارٍ تحرق شعبنا اليوم، سيأتي اليوم الذي يطلب فيه منهم أن يصبوا من زيتهم وبأيديهم على النار التي سيشعلونها بهم. فعُطَيل يتجلى اليوم بصور أفرادٍ ونُظُمٍ مختلفة سواء في المحيط العربي أم في الإطار الوطني الداخلي. فالربيع العربي دائرة كاملة ستطال وتشمل الجميع بلا استثناء، بما في ذلك عُطَيل بشتى مواقعه وتجلياته.

وحتى لو تقمص العرب جميعاً دور عُطَيل فينا، فإن على الحكومة أن تشكل خلية أزمة تظل في حالة انعقاد دائم، وتضع خطة صمود عاجلة تتضمن جملة من الإجراءات المقاومة والمنسجمة مع التصدي الهادئ والمدروس بدقة وعناية، مع الأخذ في الاعتبار مع كل إجراء وضع أسوأ الاحتمالات والحلول البديلة وحفظ خط الرجعة عند الفشل. وعلى حركة حماس أن تسارع فوراً لتسليم أموال الرسوم والضرائب التي وضعت يدها عليها منذ الانقلاب، لخزينة السلطة الوطنية الأم. وفي جميع الأحوال يجب أن يظل نصب أعيننا أن نحذر من مخاطر الانجرار وراء دعاة إشعال انتفاضة ثالثة أو اتخاذ إجراءات وردود أفعال غير محسوبة، طالما كان الخصم بانتظارها لأنها شكلت له على الدوام خشبة الخلاص من أزماته، ومسوغات التطرف في رسم مواقفه ضدنا وسياساته.

نعم يا سادتي، "إن لم تكن لديك خطة فأنت جزء من خطة الآخرين".

* كاتب فلسطيني يقيم في رام الله. - asefsaeed@yahoo.com