2012-12-23

مخيم اليرموك: هجرة أخرى ونكبة أخرى


بقلم: ماجد كيالي

لم تترك طائرة الميغ مجالاً لهؤلاء الذين افترشوا الأرض، في جامع عبد القادر الحسيني وفي مدرسة الفالوجة، للتملص أو للاحتماء، إذ باغتهم صوتها المرعب، وقذائفها المزمجرة، فباتوا أشلاء، في ذلك اليوم (الأحد 16/12/2012)، في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين؛ هذا ما بينته الصور على يوتيوب وفي الفضائيات.

لكن ما الذي كان هذا الطيار يظن بأنه يفعله في هذه الغارة؟ ما الذي كان يدور في مخيلته لحظة الانقضاض على ما يعتبره هدفه؟ ماهي حقيقة مشاعره؟ فهل كان يعتقد أنه كان يقوم بمهمة قصف حربية لتحرير فلسطين أو الجولان مثلاً؟ طبعاً لا، فهذا مستحيل، فلم يسبق له أن فعلها من قبل، ولم تأته أوامر من هذا النوع طوال خدمته العسكرية. ومنذ انتهاء حرب تشرين (1973) ولا طلقة باتجاه هضبة الجولان المحتلة. إذاً ما الذي كان يظن هذا الطيار أنه يفعله بقصفه مسجداً ومدرسة للاجئين الفلسطينيين؟ وبالأحرى ما ماهية الثقافة التي تربّى عليها هذا الطيار، والتي مكنته من القيام بهذه الفعلة المشينة؟ ما ماهية العقيدة العسكرية التي نشأ عليها؟ وأي ضمير أخلاقي يحمله هذا الكائن الطيار؟ وكيف وصل إلى هذا الدرك؟! 

والحال، صارت حادثة طائرة الميغ تلك حدثا في تاريخ مخيم اليرموك، وفي التاريخ المأساوي للاجئين الفلسطينيين، وفي تاريخ ثورة السوريين الأكثر كلفة بين الثورات العربية قاطبة، وفي تاريخ العلاقات السورية الفلسطينية، ليس مهماً اسم قائدها، فيكفي انها حدثت في عهد الطاغية بشار الأسد، أو باسمه.

لم يكن في المسجد والمدرسة لا مقاتلين، ولا مسلحين. وأصلاً، لا يوجد في المخيم مسلحون سوى مجموعات الجبهة الشعبية - القيادة العامة، الذين فرضوا أنفسهم بالسلاح، وبدعم النظام. أما الجماعات المسلحة التابعة للجيش الحر فهي تبعد مئات الأمتار عن مكان القصف، في حي الحجر الأسود المجاور، او في حي التضامن، لكن هنا ثمة جامع ومدرسة فضلا عن مشفى (الباسل) كان تعرض للقصف بالهاون قبل يوم من حادثة الميغ. وبالنتيجة فإن ضحايا هذه الغارة الجبانة، من الشهداء والمصابين، كانوا نساء ورجالا وأطفالا من النازحين السوريين ومن الفلسطينيين، الذين أخذهم القدر على حين غرّة، فوحّدهم المصاب بعد أن وحّدتهم مشاعر اللجوء والنزوح وآلامهما؛ حيث بات اللاجئون الفلسطينيون في سوريا يستقبلون لاجئين، أو نازحين، سوريين من الأحياء المجاورة، طوال الأشهر الماضية.

حقاً، كانت تلك ضربة غادرة وأليمة وقاسية، لا سيما أن المخيم لم يعتد على غارة طيران، ولم يهيئ أحواله لها، فقد كان مجرد تعايش مع قذائف الهاون، والتي نجم عنها أكثر من مجزرة. أما مجزرة الميغ، فقد كانت بمثابة ضربة جد صاعقة وصادمة، ولم تكن تخطر على بال.

في خضم ذلك كان الصراع على أشده بين جماعات الجيش الحر من جهة وقوات النظام، ومعها جماعة أحمد جبريل. وبالنتيجة، تمكن الجيش الحر من الدخول الى المخيم واحكام السيطرة عليه.

بعد هذه الغارة، وبعد التحولات التي حصلت في المخيم، أصيب الأهالي بحال من الذهول، ودبت مشاعر الخوف والرعب من الآتي، واشتغلت مخيلاتهم بما يمكن أن يختبروه وأطفالهم في الأيام التالية، على ضوء ما اختبره غيرهم، في دوما وداريا والتضامن وبابا عمرو في حمص، لاسيما مع الشائعات التي انتشرت فجأة بشأن ضرورة اخلاء المخيم، بدعوى أن جيش النظام ينوي اقتحامه لتطهيره من الجيش الحر. 

هكذا، لم ينتظر الفلسطينيون طويلاً، وأصلاً ما كان لديهم أي مجال للتفكير بشأن ما يمكن أن يجري، فسرعان ماحملوا ما خف حمله تاركين مخيمهم وبيوتهم، وممتلكاتهم، هائمين على وجوههم، إلى الأحياء المجاورة، أو الى المخيمات الأخرى، وحتى أن ثمة الألوف منهم ذهبوا الى الحدود باتجاه لبنان، كأنهم في نكبة أخرى، بعد أن باتوا يحملون صفة النازحين أيضاً، في استعادة مؤلمة، وموجعة، لمشهد اللجوء الأول، لجوء الآباء والأجداد (1948). 

في غضون ذلك كانت ثمة أصوات أخرى، أيضاً، ثمة من رفض أن يغادر عن عدم قناعة أو من قبيل العناد، وثمة منهم من ليس لديه مكان ليغادر إليه، كما ثمة نشطاء قرروا البقاء في المخيم. وعن ذلك كتب Hassan Shaban بمرارة بالغة: "اللي بيترك بيته بعمره ما راح يرجع عليه... ان لم ترجعوا بهذه الايام فلن تجدوا مكانا لكم بعدها... لن تروا المخيم كما لم نرَ فلسطين بعد أن ترك أجدادنا بيوتهم وهربوا من الموت والخوف.. ليش الموت هل هناك أصلا مهرب منه؟! موتوا في بيوتكم أحسن ما تموتوا بكل لحظة بعيون الناس في شوارع الزاهرة وأرصفة الميدان... عودوا الى بيوتكم ومحلاتكم وإلا والله إن نفس البيوت و الشوارع ستنكركم". وهذا عبد الله الخطيب يكتب عن تشكيل ما يسمى "خلية أزمة" لإدارة أحوال المخيم، مؤلفة من "مجموعة من الشباب المستقل" مهمتها "تأمين خروج ودخول الناس الراغبين من المخيم وإليه.. وتقديم المساعدات اللازمة للعائلات الباقية فيه عن طريق مؤسسة "بصمة" الاجتماعية والهيئات والمؤسسات المتبقية.. كما ستقوم بجولات ميدانية على انحاء المخيم بشكل دوري لحماية الممتلكات العامة والخاصة وتقديم تقرير يومي عن حال اليرموك".

وعلى أية حال فإن غارة الميغ تلك لم تكن الأخيرة، ففي يوم 18/12، أغارت الميغ ثانية، وربما مع الطيار ذاته، وهذه المرة غرب المخيم (قرب المحكمة) ما أدى الى تدمير جزئي لعديد من البيوت، التي كان تركها أصحابها ونزحوا. وعن ذلك كتب أحمد عمرو: "يا رب...أنت أعلم كيف بنيناه لهاد البيت! تركته بين إيديك يارب.. لتحميه... تكسّر كامل الزجاج وتضرر حائط او أكثر في منزلي المبني منذ أقل من عام... كان من الممكن أن يسقط البناء بكامله لو كان الطيار أكثر ثقةً بنفسه قليلاً..وكان من الممكن أن يقتل بشراً كثيرين مثل الذين قتلهم في جامع عبد القادر في بيت الله ذاته الذي دعته أمي لحماية منزلها.. من الممكن ذلك.. من السهل لمن يملك الميغ أن يقصف أحلام البسطاء... ولكن من المستحيل عليه تدمير هذه الأحلام".

هكذا لم يكن أحد يتوقع ما حصل لمخيم اليرموك الذي كان يضج بالحياة، وكان يصل النهار بالليل، والذي كان من أكثر المناطق حيوية في دمشق. كأن محمود درويش كان يتوقع ذلك حين رسم كلماته: هي هجرة أخرى فلا تذهب تماما... في ما تفتح من ربيع الارض في ما فجر الطيران فينا.. من ينابيع ولا تذهب تماما..

* كاتب وباحث فلسطيني يقيم في دمشق. - mkayali@scs-net.org