2012-12-22

رفع سقف مطالب الدبلوماسية الفلسطينية


بقلم: زهير حمدالله زيد

الإعتراف بدولة فلسطين وما حمله من مغزى وما تضمنه من تأثير وإنعكاسات، شكل نقطة تحول وإنطلاق على صعيد الدبلوماسية الفلسطينية، حيث أثمر الفعل السياسي والدبلوماسي الفلسطيني المتكامل وقاد للإنتصار الفلسطيني في الجمعية العامه للأمم المتحده كمؤسسة، وألقى هذا التقدم بظلال بديعة الشكل والمضمون على مستويات دولية وشعبية، رسمياً، حتى الدول الممتنعة، التي شكلت ما يقارب ثلث الدول المؤيده للقرار الأممي، لم تعارض جوهر القرار ومضمونه، لأن هذه الدول ليست ضد حق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، والدليل أن جزء كبير منها أصلاً، سبق وإعترفت بإعلان الإستقلال عام 1988، ورفعت في حينه، مستوى التمثيل الدبلوماسي الفلسطيني لديها لمستوى تمثيل الدول، أي أن عواصمها تحتضن سفارات دولة فلسطين، العاملة ومعلومة العنوان والهوية، أما الأخرى، فمنها من طلب أخيراً بتسمية سفراء لها لدى دولة فلسطين، كدولة البوسنة مثلاً، الإشارة الأكثر وضوحاً هي التتصويت في الأمم المتحدة ل 179 دولة مع حق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية نهاية الإسبوع الماضي، وإمتناع ثلاث دول عن التصويت، ومعارضة سبع دول منها إسرائيل وأمريكا وكندا، والأربعة الباقية نحتاج لمندل لتحديد مواقعها ومكانتها.

شعبياً، منظمات المجتمع المدني، الحقوقية منها وغيرها، أخذت دفعه معنوية وأخلاقية جديدة، ليس فقط لتجديد مطالبتها بفرض عقوبات فعلية وفاعلة ضد الإحتلال، بل أنها رفعت من سقف مطالبها وجددت لدى الذهن الشعبي الأممي الذاكرة، موضحةً أن سبب العنف واللا أمن، وأساس كل بلاء وعلة، الإحتلال وممارساته، ودون أن يتم إزالته وإنهائه، لا يجوز أن يُطلب من الفلسطيني أن يقف مكتوف الأيدي مسالماً، يردد الشكوى تلو الأخرى دون نتيجه، وحسب رأي هذه المنظمات والتي عبرت عنه في الأمم المتحدة، فإن كل الشرائع والقوانين الدولية تعطي للفلسطينيين الحق، للدفاع عن أنفسهم بكل الوسائل والسبل الممكنة، حتى كنس الإحتلال، السبب والمسبب لحالة اللا إستقرار في المنطقة والعالم، ويمكن أن يُطلب من الفلسطينيين عدم ممارسة العنف والتخلي عنه كوسيلة، فقط إذا ما أقدم المجتمع الدولي على المبادرة للقيام بدوره الحقيقي، للحفاظ على السلم والأمن الدوليين في منطقة حيوية كمنطقة الشرق الأوسط، وقام بحماية المدنيين العزل، وإتخذ إجراءات عقابية أممية فاعلة ومتصاعدة، تصل لحد الإجراءات العسكرية وفق البند الخامس لمجلس الأمن، لوضع حد وللأبد لإحتلال ظالم لم يبقي عهداً دولياً حقوقياً ولا أخلاقياً ولا حتى إنسانياً، إلا وخرقه بصلف وعجرفه.

النجاح الدبلوماسي الفلسطيني حقق إذن تقدماً وإختراقاً لآفاق جديدة تستحق العناية والمواكبة والتطوير، هي ليست نهاية المطاف، يمكن وصفها بإنطلاقة جديدة، تستدعي شحذ الهمم وإستنفار الطاقات، لتُأسس عليها، إستعداداً لبلوغ الأهداف الحقيقة، التي يجب أن تتجاوز حدود الإكتفاء والقبول لصيغ الرفض والإدانة، مهما بلغت شدة صياغتها وقسوة معانيها، لأن المطلوب أكثر من ذلك بكثير، رفع سقف مطالب الدبلوماسية الفلسطينية لتتجاوز هذه الحدود الباهته، والتي تُسمعنا عنف ضجيج طحن يثير سخرية إسرائيل وقيادتها اليمينية المهيمنه، ولا تزيد لنا طحيناً يخفف علينا من آلام جوع تجاوز حدود رغيف الخبز، جوع وتوق لكرامة وحرية ونيل حقوق، إستقلال وتقرير مصير.

الإدانات للإستيطان الإسرائيلي الذي تجاوز إقرار مخططات بناء لـ 11 الف وحدة سكنية غالبيتها في القدس، خلال إسبوع واحد فقط، وقرار المحكمة الإسرائيلية في نفس الإسبوع بهدم 300 منزل فلسطيني في القدس أيضاً، بلغت ذروتها، وعمت العالم بأسره، بالمقابل نتنياهو يرد بالمزيد وبأحقية البناء للمستوطنين على أرض فلسطينية، مبدياً عدم إكتراثه لكل زعيق وشجب، وهدير بلدوزراته تفعل فعلها في كل مكان وفي القدس وأحيائها، وهو بذلك يُصر على تنفيذ مخططه الغير مُعلن، ضم الضفة الغربية، رفض دولة غربي نهر الأردن، تقويض السلطة وقطع حتى صلة غزة بباقي أجزاء الوطن، هذا الصلف وهذه العجرفه لا ينفع معها، ولا يؤثر بها غير العقوبات الفعلية، التي يجب أن تحاصره وتجبره على القبول بالإمتثال للقرارات والقوانين الدولية وشرعتها، وهذا من المفروض أن يفهمة العالم بأسره.

 عربياً تطالب الدبلوماسية الفلسطينية بفعل في حدود المعقول والممكن، تفعيل المقاطعة العربية وفق آلية واضحة وملزمة، بتشكيل هيئة مراقبه وتنفيذ في الجامعة العربية، تتجاوز حدود التمثيل الرسمي العربي، تشارك بها البرلمانات ومؤسسات المجتع المدني، وتقدم تقارير علنية، لتشكل كشف حساب رسمي للشعوب العربية، كي تضمن حقها في المعلومة وفي محاسبة المقصرين من الأنظمة، هذا ما يلبي حتماً متطلبات وموجبات الربيع العربي، إذن هي دبلوماسية فلسطينية ناعمة، شعبية وعامة، تساهم في تجنيد وتحريك وإثارة المؤسسات الشعبية والجماهيرية، للتأثير على مواقف الحكومات ودفعها بإتجاه تبني المواقف الشعبية الأكثر حسماً وتقدماً ضد الإحتلال.

التقدم على الصعيد العربي سيفرض متغيرات أخرى تطال كل التجمعات الدولية الأخرى، وفي نفس السياق، منها الإقليمية والإسلامية وعدم الإنحياز، وليكن واضحاً لجبهة الأصدقاء، دون أن تترك الدبلوماسية الفلسطينية أي مجالاً للشك أو الإعتقاد، رسمياً وشعبياً، أن المقبول  فلسطينياً ليس بأقل من الفعل الحقيقي لإنهاء الإحتلال، وإتخاذ إجراءات عقابية إقتصادية وسياسية، تحاصر المحتل وتفرض علية الحل العادل، لأن عدم قيام المجتمع الدولي بذلك، يعزز من ضرورة إنضمام فلسطين لميثاق روما، وتقديم شكاوي لمحكمة الجنايات الدولية ضد الإحتلال وممارساته، لوضع الدول أمام مسؤولياتها ولتقدم فاتورة مواقفها الإنسانية والأخلاقية والقانونية أمام شعوبها وأمام الشرعية الدولية، هذا كله لن يغير أبداً من حق شعب فلسطين في الدفاع عن نفسه بكل الوسائل الممكنة، حتى يتم ضمان ممارسته لكل حقوقه المشروعة وغير القابلة للتصرف. 

* أسير محرر ومستشار أول في سفارة فلسطين بالهند. - zuhairthth@gmail.com