2012-12-22

الحديث في "فتح" عن المُحرمات..!!


بقلم: د. سفيان أبو زايدة

في عهد الرئيس الرمز ابو عمار لم يجرؤ احد في الساحة الفلسطينية الحديث عن طرح السؤال بشكل علني حول من سيخلفه اذا لا سمح الله حدث له شيء، حيث لم يجرؤ احد على الحديث عن تعيين نائب للمناصب المتعددة التي كان يشغلها والتي اهمها رئيس المنظمة ورئيس السلطة ورئيس دولة فلسطين ورئيس حركة "فتح". من الناحية العملية كان رحمه الله رئيس كل شيء في النظام السياسي الفلسطيني الذي تم تفصيلة الى حد كبير بما يتلاءم مع شخصيتة ورمزيتة وقدراته القيادية التي لا خلاف حولها.

الكثير كان يعتقد بما في ذلك كاتب هذه السطور، ان حالة ياسر عرفات لن تتكرر، وأن الشعب الفلسطيني سيحرص على ان تُوزع المهمات التي كان يشغلها على أكثر من شخص. كان هناك اعتقاد ان المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني تقتضي ان تكون القيادة جماعية وليس بالضرورة ان يكون رئيس المنظمة هو رئيس السلطة وهو رئيس حركة "فتح" ورئيس الدولة والقائد الاعلى للقوات.

ذهاب الرمز ابو عمار بشكل مفاجئ والظروف السياسية التي كان يعيشها الشعب الفلسطيني وعلى اعتبار ان الرئيس عباس كان الخليفة الطبيعي للرئيس عرفات، لم يكن هناك مشكلة في تولي الرئيس عباس المهمة وبكامل الصلاحيات ولكافة المناصب التي كان يشغلها الرئيس عرفات، بل زاد على ذلك ان حركة "فتح" في المؤتمر السادس أعطت الرئيس عباس ما لم تعطية للرئيس الرمز ياسر عرفات عندما انتخبته بالتصفيق رئيسا لحركة "فتح".

احد الامور غير المسموح الحديث بشأنها، والاسئلة التي يجب ان لا يتم الحصول على اجابة عليها او اجراء نقاش حولها هي في كل ما يتعلق بخليفة الرئيس عباس. من الذي سيقود الشعب الفلسطيني بعد الرئيس عباس، ومن سيصبح رئيس الحركة من بعده؟ ومن سيصبح رئيس المنظمة ورئيس السلطة؟ هل سيكون شخصا واحدا كما هو الحال الآن؟ ام ربما يكون من الافضل لحركة "فتح" والشعب الفسطيني ان تكون هذه المواقع مشغولة من قبل اكثر من شخص؟

الغريب في الحالة الفلسطينية، وفي حركة "فتح"، ان الرئيس عباس وبعكس الرئيس الرمز ابو عمار، ليس فقط لا يمنع الحديث عن هذا الموضوع بل هو الوحيد الذي يتحدث عن رغبته في ترك الحياة السياسية واخلاء مواقعه التي يشغلها للاجيال القادمة. لقد ابلغ قيادة حركة "فتح" عن رغبته وطالب ان يتم البدء في ايجاد الآليات لاختيار رئيس للحركة، وابلغ قيادة منظمة التحرير عن رغبته في ترك موقعه كرئيس للمنظمة، واعلن عشرات المرات انه لن يترشح مرة اخرى لرئاسة السلطة. على الرغم من ذلك هناك حالة من البلادة الغريبة والعجيبة التي لا مبرر لها سوى ان من هم في مواقع القيادة لا يشعرون انهم يمتلكون القدرة على تحمل المسؤولية.

هل هناك من يختلف ان الرئيس عباس بعد شهر او بعد عام، اكثر او اقل، سيترك العمل السياسي كما قال هو عشرات المرات حيث نتمنى من الله ان يعطيه الصحة وطول العمر وحسن الختام؟ اذا كان الأمر كذلك لماذا لم تستفيق "فتح"، وخاصة لجنتها المركزية ومجلسها الثوري، الذي انا عضو فيه، من سباتها العميق وتبدأ في تجهيز نفسها لمرحلة ما بعد الرئيس عباس؟ هل ننتظر حلولاً من السماء؟ غريب امر قيادة "فتح"، الرئيس يقول ابحثوا عن قائد غيري، استعدوا لهذه المرحلة، وهم يقولون له لا يا سيادة الرئيس انت مرشحنا الوحيد ولا غنى عنك، ويا ويلنا من بعدك ولا احد يصلح لهذا الموقع غيرك. هل هذا منطق قيادة تدعي انها قائدة المشروع الوطني وقيادة اكبر تنظيم وطني على الساحة الفلسطينية وتستعد للاحتفال بذكرى انطلاقتها التي اقتربت الى النصف قرن؟!

امر عجيب وغريب حالة الشلل والعجز وعدم المبادرة في مواجهة التحديات لهذه القيادة.

المجاملات والتهرب من مواجهة الحقائق لا يمكن ان تكون بديل عن المبادرة.  لذلك يطلق على اللجنة المركزية قيادة الحركة ونقول قيادة المنظمة ولا نقول موظف بدرجة عضو لجنة مركزية او عضو لجنة تنفيذية او عضو مجلس ثوري. الفرق بين القائد والموظف هو ان الاول يبادر ويجد الحلول ويتخذ القرارات الصعبة اما الموظف فقط ينفذ ما يطلب منه، هذا بطبيعة الحال اذا كان موظف مجتهد ومخلص في عمله. نحن امام قيادة لا تبادر ولا تواجه ولا تتخذ قرارات في معظم الحالات، بل حتى لا تنفذ ما يتخذ من قرارات. حتى من الظلم  اعتبارهم مجموعة من الموظفين، وان كانوا كذلك فهم ليسوا مخلصين في عملهم وغير مجتهدين وغير مبادرين.

على اية حال ولكي لا يكون الحديث عن عموميات، فانني اقترح التالي:

اولا: في كل الظروف والاحوال تجربة الرئيس ياسر عرفات وكذلك تجربة الرئيس عباس يجب ان لا تتكرر، وان من الخطأ ان يتم تركيز الصلاحيات والمهمات والمناصب الرئيسية في يد شخص واحد مهما كان حجمة ومهما كانت قدراته. هذا الزمن يجب ان يذهب بلا عودة. لذلك يجب ان لا يكون الحديث عن خليفة للرئيس عباس بل خلفاء للمناصب المتعددة وخاصة "فتح" والسلطة والمنظمة.

ثانيا: الرئيس عباس طالما ما زال على رأس عمله هو المسؤول الاول عن اختيار خليفة له في حركة "فتح" وكذلك الحال في منظمة التحرير، لذلك علية ان لا يكتفي بابلاغ القيادات المختلفة عن رغبته بل يجب هو ان يبادر في اتخاذ الخطوات التي تهدف لحماية النظام السياسي الفلسطيني وحماية الحركة.

اول هذه الخطوات هي البدء في لملمة حركة "فتح" والمبادرة في قيادة عملية المصالحة الداخلية، ولان الجميع يفهم ما اعنيه هنا، اول هذه الخطوات هي انهاء موضوع الاخ محمد دحلان. وهنا اوجه حديثي مباشرة للسيد الرئيس: لا تستمتع الى كل الحاقدين والمستفيدين من ابعاد دحلان عن "فتح" واستمع الى صوت المخلصين لهذه الحركة الذين لا يريدون سوى الخير لها ولابنائها. انت الرئيس وانت الكبير وانت القادر على لملمة الجراح.

ثالثا: اللجنة المركزية والمجلس الثوري يجب ان يمارسوا دورهم القيادي دون مجاملات كاذبة والحديث بشكل صريح وواضح عن البدء بخطوات عملية لمرحلة ما بعد الرئيس عباس. قد يكون من خلال البدء فورا في الاستعداد لعقد مؤتمر سابع او العمل على عقد المجلس العام.

رابعا واخيرا: يجب ان يكون هناك حديث صريح ومباشر في اوساط حركة "فتح"، بدل احاديث الهمس والنميمة حول من هو الافضل لقيادة حركة "فتح" في المرحلة المقبلة، وكل من يرى نفسه قادر على تحمل هذه المسؤوليه عليه ان يعلن عن هذه الرغبة في الأوساط الفتحاوية لكي تستطيع قيادات الحركة ان تتعرف على قدراته وامكانياته، لأن مصلحة الشعب الفلسطيني ومصلحة "فتح" هي أهم من الاشخاص وطموحاتهم.

* وزير سابق وأسير محرر من قطاع غزة. - szaida212@yahoo.com