على الرغم من أن الدولة الفلسطينية التي إنتزعها الفلسطينيون بفعل قوة شرعية الدولية، وبفعل نفاذ صبر المجتمع الدولي من سياسات إسرائيل الإحتلالية والرافضة للسلام، ومن قناعة الدول بحق الفلسطينيين بتقرير مصيرهم الذي أقرته قرارات الشرعية الدولية، لكن هذه الدولة ليست هدفا في حد ذاتها، لأن الهدف النهائي هو إنهاء الإحتلال الإسرائيلي، وقيام الدولة الفلسطينية الكاملة التي تستطيع أن تمارس وظائفها السيادية سواء في داخل حدودها الإقليمية المعترف بها دوليا، أو في إطار علاقاتها الخارجية. فمن غير المقبل أن تمارس إسرائيل كل وظائفها السيادية وهي دولة إحتلال، ولا تمارس الدولة الفلسطينية نفس الحقوق بسبب سياسة الإحتلال التي بدأ المجتمع الدولي رفضها، والذي عبر عن ذلك بتصويته لقيام الدولة الفلسطينية.
وحتى ينتهي الإحتلال، وتقوم الدولة الفلسطينة الكاملة فهذا يحتاج إلى القيام بالعديد من المسؤوليات والمهام على مستوى الدولة الفلسطينية أولا، وعلى المستوى العربي، ومطلوب أيضا قيام المجتمع الدولي بمسؤولياته حتى يتم إكتمال الدولة الفلسطينية. والمسؤولية الأولى تبقى على الجانب الفلسطيني والعربي معا، فعلى المستوى الفلسطيني ينبغي أن يمارس الفلسطينيون مسؤولياتهم وكأن لهم دولة حقيقية على الأرض، وليس كما تقول إسرائيل إن قيام الدولة لا يغير شيئا على الأرض.. هذا غير صحيح، الحقوق والصلاحيات تنتزع ولا تمنح، وعليه على الفلسطينيين ترجمة مفهوم الدولة على الأرض، حتى يستطيعوا تغيير الواقع الإحتلالي على أرضهم، فلا يكفي الإنتظار وردود الفعل لما تقوم به إسرائيل من سياسات إستيطانية تريد بها تغيير الواقع الذي تقوم عليه الدولة الفلسطينية، ولتفرغ الدولة الفلسطينية من مضامينها السياسية والسيادية، وهذا يتطلب فلسطينيا التفكير أولا بمنطق الدولة في التعامل مع إسرائيل.
وفي هذا السياق لا بد من إعادة تفسير إعادة تقييم لكل الإتفاقات الموقعة مع إسرائيل، وأنا لا أطالب بإلغائها لأن السلطة الفلسطينية غير قادرة على ذلك، وإن كانت الدولة الفلسطينية وقيام شخصية دولية جديدة يقتضي ذلك، لكن في الوقت ذاته لا يمكن التعامل مع نفس هذه الإتفاقات التي وقعت قبل قيام الدولة.. نحن الأن أمام حالة دولة وهذا يعني منطق وأسس وقواعد جديدة في التعامل، ويتطلب التعامل معها بمنطق الدولة حتى مع إستمرار الإحتلال، وإخضاعها بالكامل لمفهوم المصلحة الوطنية الفلسطينية، وليس لمنطق القوي والضعيف الذي حكم إتفاقات أوسلو. وفي مقدمة ذلك إعادة النظر في طبيعة الإتفاقات الأمنية، وإعادة تحديد العلاقات الأمنية علىي أسس جديدة تخرج بالمؤسسات الأمنية الفلسطينية من حالة التبعية إلى حالة أكثر إستقلالية تتفق ومفهوم ومنطق الدولة الفلسطينية الجديدة، وأيضا إعادة الإعتبار للإتفاقات الإقتصادية وتصحيحها بما بخدم المصلحة والحالة الفلسطينية الجديدة. حتى إتفاقات أوسلو ذاتها، فلا توجد إتفاقية لها طابع القدسية النهائية، فأي إتفاق دولة يخضع للمراجعة بما يخدم التوازن والتكافؤ في العلاقات بين الدول.
ومن الأدوار المهمة تفعيل كل وسائل المقاومة الشعبية التي تجيز للدولة الفلسطينية من خلالها إنهاء الإحتلال إلإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، ومن المسائل ذات الأهمية الكبيرة التي تقع على الفلسطينيين إنهاء الإنقسام السياسي لأن إستمرار الإنقسام ووجود حكومتين وسلطتين يتعارض مع أهم محددات وصلاحيات الدولة الفلسطينية وهي السيادة الإقليمية على أرضها، فالإنقسام يعني عدم قدرة الدولة الفلسطينية على ممارسة سلطتها ليس بسبب الإحتلال فقط، ولكن بسبب فعل فلسطيني، وهذا من شأنه أن يؤثر في إمتداد سلطة الدولة الفلسطينية وترجمتها على الأرض.
ولا يتوقف ترجمة مفهوم الدولة الفلسطينية على الداخل فقط، بل هناك العديد من المهام على المستوى الدولي، وهنا تبرز معركة الشرعية الدولية، وهي معركة شاقة وطويلة وصعبة وتحتاج إلى جهد ودعم دولي، وتحتاج أولا إلى ترجمة تصويت الدول لصالح الدولة الفلسطينية إلى سياسات ضد كل ما تقوم به إسرائيل من سياسات إحتلالية تمس حقوق المواطن الفلسطيني على أرضه، وما تقوم به من سياسات إستيطانية تتعارض مع هذا التصويت الدولي بقيام الدولة الفلسطينية، ومعركة الشرعية الدولية تحتاج إلى تفعيل كل قرارات الشرعية الدولية، والذهاب إلى المنظمات الدولية لرفع مكانة فلسطين فيها، وتحتاج ايضا الذهاب إلى المحاكم الدولية لوقف الإستيطان، وإظهار إسرائيل على أنها دولة لا تلتزم بالقرارات الدولية، ومثل هذه السياسات ستخلق وضعا دوليا جديدا لم تعتاده إسرائيل، وقد يقود إلى حالة من العزلة الدولية، ويضع الدول الداعمة لها مثل الولايات المتحدة في مواقف حرجة دوليا.
وعلى المستوى العربي مطلوب دعم الجهود الفلسطينية، والعمل على بقاء الدولة الفلسطينية، وإمدادها بكل الدعم المالي الذي تحاول إسرئيل ممارسته على السلطة، لأن بقاء الدولة الفلسطينية كما هو مصلحة فلسطينية هو أيضا مصلحة عربية ودولية، وهذه هي الرسالة التي على الدول العربية إيصالها على مستوى العمل الدبلوماسي الدولي، فإما قيام هذه الدولة بالكامل، وقيامها بكل سلطاتها وصلاحياته السيادية حتى تستطيع القيام بدورها في إكتمال السلام الذي يحتاج كخطوة أولى وأساسية لقيام هذه الدولة، ومن هنا أهمية الربط بين قيام الدولة الفلسطينية الكاملة، وبين إنجاز السلام وتسوية كل القضايا المكونة للصراع العربي الإسرائيلي، والتي لن تحل إلا في سياق وقيام الدولة الفلسطينية. وهذا يتطلب مبادرة عربية جديدة في إطار المبادرة العربية، والتوجه نحو الولايات المتحدة وإدراك أنه إذا لم يتم التوصل إلى إنجاز السلام في ظل فترة الرئيس أوباما الثانية والأخيرة، فسوف تذهب المنطقة كلها وفي ظل التحولات العربية الجديدة إلى حالة من المواجهة التي قد تهدد أمن وإستقرار المنطقة بما فيها إسرائيل والولايات المتحدة، والمفتاح لأمن وسلام الكل هو في العمل معا من أجل قيام الدولة الفلسطينية الكاملة، وهذا لن يتم إلا بإنهاء الإحتلال الإسرائيلي، وإنهاء الإحتلال يتطلب وقفا للإستيطان في الأراضي الفلسطينية.
وتبقى مسؤولية قيام الدولة الفلسطينية مسؤولية دولية في إطار المسؤولية الفسطينية والعربية.