2012-12-21

رسالة "المرشد" وريادة البشرية..!!


بقلم: عدلي صادق

جاءت الرسالة الأسبوعية الأخيرة، لمرشد "الإخوان" في مصر، مفعمة بالأمل الجميل. ارتفعت من حال الاضطراب الذي وقعت فيه "المحروسة" وحلقّت في فضاءات التمني. ولو كان لنا، بدورنا، أن نتمنى، لكنا تمنينا على فضيلته ألا يستعجل، وأن يبدأ بالمتاح، أو بالقريب، قبل التبشير بيقين راسخ، بأن "الإخوان" المصريين، سيأخذون بيد البشرية الى شفائها، وسوف تنعقد لهم الريادة، إذ سيقودون الأمم الى الخلاص من ويلاتها، والى تحقيق نهضتها وليس نهضة مصر وحدها وليس نهضة المسلمين دون سواهم..!

فالقريب والمتاح، في عالم التمني، هو الأوجب. والمعركة في مصر، ما تزال حامية مع رموز قريش الجدد، بعد أن بات من بين انجازات "الإخوان" تحويل شركائهم في الألم والعمل على الخلاص من الحكم السابق، الى أبي لهب، وأبو جهل، وشيبة وعتبة أولاد ربيعة، والنضر بن الحارث، والى ممثلي بني عبد الدار وبني جَمَح وبني سهم. كما إن المعركة لم تنته بتطويع إلهام شاهين، التي حولتها المرحلة من طرف للتراشق بالاتهامات علناً، قبل سنوات، مع طليق لها لبناني، حاول رشها بماء النار؛ الى حارسة للفضيلة والحشمة والذود عن العِرض. فأية بشرية هذه، ستنتظر خلاصها على يد "إخوان" غارقين في الصغائر، وليست لديهم خطة لجمع الناس في وطنها وتحقيق وئامها؟!

فضيلة المرشد، يهجو الرأسمالية المتوحشة، دون أن يقدم لها تعريفاً، من شأنه إحباط صولة رجال الأعمال الذين وفروا لجماعة "الإخوان" مقدرات الحركة والمال الكثير، لكي يفوزوا بالسوق الكبيرة. وما هي الرأسمالية، إن لم يكن صندوق النقد الدولي هو مرجعها وبوصلتها؟! وكيف سيظفر "الإخوان" في مصر، بالريادة والقيادة العالمية الى النهضة، إن لم تكن ثمة حيثيات اقتصادية لدورهم الكريم؟ وأي دور اقتصادي عالمي لجماعة "الإخوان" يشطب ما توافقت عليه الديموقراطيات الرأسمالية، عشية الحرب العالمية الثانية في مدينة "برايتون وودز" الأمريكية، لإدارة العلاقات الاقتصادية الدولية؟!

ثم كيف ستنعقد ريادة البشرية لجماعة "الإخوان" بينما ريادة القوى الإسلامية في مصر وحدها، لم تنعقد لها وإنما تزداد استعصاءً عليها؟ ولماذا لا يبدأ تطويع البشرية، بإرضاء كمال الهلباوي الإخواني المخضرم، وعبد المنعم ابو الفتوح، الإخواني السابق القوي، الذي يعارض دستور "الجماعة"؟!

كنا نتمنى أن تركز الرسائل، على قضايا سلوكية، على قاعدة أن "لا إكراه في الدين" مثلما أمرنا الله سبحانه، لتحقيق الحد المرتجى من التوافق الوطني، وأن يكون الإرشاد متعلقاً بالخطوة الأولى من معالجة إشكالية القمامة ـ مثلاً ـ وصولاً الى الصيغة الأردوغانية لتحويلها الى غاز الميثان الهيدروكربوني، والاستفادة منها في صناعة الأسمدة وتوليد الطاقة. وإن كانت الرسائل الأسبوعية، موجهة الى أعضاء "الجماعة" دون سواهم؛ فالأجدر أن يكون التوجيه، متعلقاً بالرفق والمحبة وعدم الاعتداء وبالقدوة الحسنة، وعدم إنكار محاسن الآخرين وانجازات الأسبقين وزهد الزاهدين.

*   *   *

ولا يصح، لمرجع حزبي، يطرح وصفات خلاصية للبشرية، ويريد قيادة الأمم الى الشفاء من ويلاتها؛ أن يختزل تاريخ الأفكار، فيجعل الشيوعية فكراً نقيضاً لخصوصية الفرد ثم نقطة على السطر، بينما يجعل الرأسمالية أنانية تسحق المجتمع لصالح أفراد، وليس هناك بين بين، ولا عناصر متداخلة. ففي أيام الاتحاد السوفياتي الشيوعي، كان رياضيو ذلك البلد، يحصدون في الأولمبياد الجزء الأعظم من الميداليات الذهبية والفضية، وكلها تجميع لخصوصيات ومهارات أفراد، ولما ترسملت روسيا، تراجع الحصاد. أما الغرب الرأسمالي، فقد ارتقى بمنظمات مجتمعه المدني وجمعياته الإغاثية والخيرية وبفضاء المبادرات الاجتماعية وقوانين حماية المعوزين. والطرفان لم يكونا شراً مطلقاً لشعوبهم. أما شرور الأنانية فهي عندنا وما تزال تفتك بنا. فلماذا لا تبدأ الفكرة قبل الإعلان عن النية في الريادة، بالاحتكام الى ما جاء في كتاب الله ويتعلق بأغنياء العرب والمسلمين حصراً: "والذين يكنزون الذهب الفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم، يوم يُحمى عليهم في نار جهنم، فتُكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، هذا ما كنزتم لأنفسكم، فذوقوا ما كنتم تكنزون". وذلك في صورة التوبة. ثم إن المال أصلاً لرب العزة، ولم يخلق الله الرزق لمن يستحوذون عليه: "وأتوهم من مال الله الذي أتاكم" حسب قوله تعالى في سورة النور. وهؤلاء الذين يستحوذون على المال، ليسوا إلا مستخلفين فيه "وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه" وهذا ما جاء في صورة "الحديد". ثم إن تداول هذا المال في المجتمع، في شكل استثمار نافع، هو أمر إلهي: "كي لا يكون دُولة بين الأغنياء منكم" حسب التوجيه الإلهي في سورة الحشر!

كنا نتمنى أن ترسم "الجماعة" خطة تقتصر في مرحلتها الأولى على أغنياء المسلمين، فتبدأ بتهذيب العلاقة بين المال ومن يستحوذون عليه، مروراً بتحريم كنزه وعدم الإنفاق منه، وصولاً الى تحريكه بين الناس. وعند النجاح في هكذا مهمة نبيلة، يكون الحديث منطقياً عن قيادة للبشرية يضطلع بها "الإخوان"..!

أما الطريف، في خاتمة رسالة الأسبوع من المرشد، فهو التركيز على أمر لا نعلم ما الذي جعله في موضع التذكير في هذا السياق: التنبيه الى ذميمة الكذب، ولكن بطريقة يختص بها فضيلته الإعلام المعارض، بينما "الإخوان" هم الأحوج الى النصيحة من المعارضين، وربما تكون هذه الحقيقة حاضرة في ذهن المرشد الذي استذكر الحديث العاطر لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بالصدق، فإن الصدق يُهدي الى البِر، وإن البِر يُهدي الى الجنة، وما زال الرجل يصدق ويتحرى الصدق، حتى يُكتب عند الله صديقاً. وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي الى الفجور، وإن الفجور يُهدي الى النار، وما زال الرجل يكذب ويتحرى الكذب، حتى يُكتب عند الله كذاباً".. صدق رسول الله..!

* الكاتب يشغل منصب سفير فلسطين في الهند. - adlishaban@hotmail.com