2012-12-20

نصف راتب = نصف مصاريف = نصف عزاء


بقلم: عبد السلام عواد

في الظروف الاستثنائية وفي العادة عندما تضيق الحياة بإلانسان ويشتد عليه الفقر والحاجة، فانه يشمّر عن ساعديه ويتوجه للبحث عن عمل يسد به حاجته وحاجة ابنائه..

أما عندنا في فلسطين، وفي ظل هذه الظروف التي نعيشها في ظل عدم وجود حل في المدى المنظور لازمة الرواتب واثارة هذه القضية عند بداية كل شهر تحت حجج ان اسرائيل لم تحول اموال الضرائب، او ان الدول المانحة لم تلتزم بتحويل الاموال  او ان الدول العربية لم تلتزم باموال شبكة الامان العربية وغير ذلك.. من العبارات التي تبين اننا "دولة بصفة شحاد" في ظل هذه الظروف والحجج التي باتت لا تنطلي على احد تبرز اسئلة مشروعة:-
إلى أين يذهب المواطن الفلسطيني المحاصر والمقيد في ظل قلة الخيارات الذي هو الاساس في الصمود والثبات؟!
ثم ماذا يعمل المزارع الفلسطيني الصامد في ارضه بعد أن صودرت أرضه ومياهه وبعد ان حدد الحكومة نسبة 1 % من ميزانيتها لهذا القطاع المهم؟!
ثم كيف واين سيجد العامل عملا يقتات منه في سوق فلسطيني يعاني اصلا من بطالة كبيرة وقلة في المشاريع؟!
وأين ستذهب الطاقات الابداعية وأصحاب الكفاءات والطموح من ابناء شعبنا بعد أن قتلت ابداعاتهم وضاقت بهم السبل؟!
وكيف ستنجح المشاريع الصغيرة والكبيرة بعد أن فرضت الضرائب الباهظة على تجارنا ولم يعد يقوى عليها إلا فئة قليلة جدا من التجار الذين يوصفون بـ "الحيتان" من كبار المسؤولين او من اقربائهم او ابنائهم؟!
ثم كيف سيواجه اصحاب الاموال والتجار ومن يرغب بتطوير المشاريع وغيرها كيف سيتغلب على شروط اتفاقية باريس الاقتصادية؟!
ومع انعدام الخيارات وانعدام الاجابة المقنعة على هذه التساؤلات للمواطن الفلسطيني لم يبق أمام شريحة كبيرة من ابناء شعبنا إلا العمل بالوظائف الحكومية في السلطة، هذه الوظائف التي كانوا يحُسدون عليها سابقا صارت هي الاخرى لا تجدي نفعا خصوصا بعد ان صار الموظف يتلقى نصف راتبه او يتلقاه بعد شهرين او اكثر.

والسؤال المهم والمشروع لنا جميعا:
هل مطلوب منا أن نموت جوعا ليبقى "الكبار"؟ هل المطلوب منا ان نهاجرالى المريخ لتبقى مصالح "السادة".
وهل المطلوب حتى يتحقق الصمود الاسطوري للشعب الفلسطيني ان يصبر المواطن "الغلبان" من الفئة "ج" وحدة والمواطن من فئة الدرجة "أ" يعيش حياة كريمة؟!

لا نريد إجابات جاهزة ولا شعارات نارية، ووطنية ولا نريد مزاودات على بعضنا البعض فلدينا كموظفين ومواطنين بسطاء من الوطنية والشعارات المواقف الحقيقية مخزون هائل تشهد به المواقف والاحداث على مدى سنين مضت ومنها ما يكفينا ويفيض.

القيادة والحكومة تطالبنا باجراءات تقشفية للخروج من الازمة..

وهو امر مطلوب ولا نرفضه ولكن..، كيف سيكون هذا التقشف.. ومن الذي سيبدأ به اولا وهل سيقوم به الشعب جميعا ام الحكومة ووزرائها ام سيقوم به الشعب وحده ثم كيف ستكون طبيعة هذا التقشف لحياة متقشفة أصلا؟! فالمواطن الموظف كان في الظروف الطبيعية وعندما كان يتلقى راتبه كاملا كان بالكاد يكفيه بل ان كثيرا منهم لا يبقى معه منه شيء عند حلول منتصف الشهر، ومنهم من كان لا يصل حتى الى منتصف الشهر.

وفي ظل هذه الظروف وبعد ان ارتفعت الاسعار اضعاف كثيرة وهي تفوق بكثير قدرة الموظف على التعايش معها، أي أن الموظف في ظل ارتفاع الاسعار وعندما كان يتقاضى راتبا كاملا فان القيمة الشرائية له باتت تعادل ثلثي راتبه السابق قبل تغير الاحوال وارتفاع الاسعار.

والسؤال المهم والمشروع هو ما هي الخيارات المطروحة والنتيجة المتوقعة بعد ان صارت سياسة نصف الراتب نهجا متبعا وخيارا أمام السلطة والحكومة؟! ثم ماذا يعمل الموظف وما هي الخيارات المتاحة أمامه؟!

واذا كانت الاجابة ان سياسة نصف الراتب ستكون نهجا متبعا وخيارا وحيدا فان على الموظف أن يقوم بدفع نصف أجرة البيت الذي يسكنه، وعليه ان يطعم اولاده نصف كمية الخبز التي يحتاجونها وعليه ان يلغي نصف الاضواء في بيته وعليه  ان يلبس نصف ملابس، وعليه أن يعطي أولاده نصف مصروفهم اليومي عند ذهابهم للمدرسة، وعليه ايضا أن يكتفي بوجبتين يوميا ويلغي الثالثة، وعليه أن يختصر كل وجبة من الوجبتين الى النصف، فهي فرصة له لتخفيف الوزن وعمل "روجيم" جبري. وعليه أن يكتفي بنصف دجاجة أو نصف كيلو من اللحم شهريا، طبعا لتفادي الإصابة بداء النقرس. وعليه إذا اراد  زيارة الطبيب أن يطلب منه إجراء نصف فحص ، وأن يدفع له نصف أجر، وعليه أن يشتري نصف الدواء. وعليه  ان يدفع نصف المواصلات ويكمل باقي الطريق مشيا على الاقدام "والمشي فيه فوائد صحية" مما يؤدي به ان يصل الى مكان عمله متاخرا فيقوم بنصف دوام. وإذا أراد أن يجري مكالمة هاتفية من جواله عليه ان يتكلم بكلمة واحدة لمن يتكلم معه وهي كلمة "ارجع لي"، وعلى الموظف المدخن ايضا ان يستغل "فرصة نصف الراتب" ليقلع عن هذه العادة السيئة فيستهلك نصف علبة من الدخان في اليوم وعليه اذا اراد ان يحلق شعره ان يقص النصف ويبقي على النصف الاخر للشهر القادم توفيرا للمال.

والنتيجة في المستقبل وعندما يتقاضى الموظف راتبا حقيقيا سيكتشف ان سياسة نصف الراتب قد وفرت عليه الكثير من الأشياء، الكثير من المشاوير وحضور الكثير من المناسبات الاجتماعية والكماليات والبزورات والمكسرات والعطورات والملبوسات لان هذه كلها مصاريف لا تليق بمستواه ولا تصلح الا لطبقات خاصة.

واخيرا هل يستطيع الموظف أن يعيش بنصف راتب، وغيره براتب كامل عدا عن "النثريات والكماليات والبلفونات والبنزينات والغازات والكازات" ام ان عليه ان ينتظر جلطة قلبية تأتيه من حيث لا يدري وان يفتح له نصف عزاء لانه نصف موظف فلا يستحق عزاء كاملا.
وعظم الله اجركم في الراتب..

و يا نصف حكومتنا "عفوا يا حكومتنا"هل من حلول عندكم افيدونا يرحمكم الله
ودمتم بخير..

* كاتب فلسطيني وباحث في شؤون القدس والاستيطان. - Aljamal71@gmail.com