2012-12-20

محنة "اليرموك" ومعالجات معيبة..!!


بقلم: عدلي صادق

لم يغادر أهلنا من سكان مخيم اليرموك مساكنهم، إلا بتأثير فكرة مرعبة، وهي أن طيران النظام، سيقصف بلا تمييز، كل موضع يسيطر عليه المعارضون، فيُلقي بحممه على المباني والبيوت بهمجية الأعداء الذين لا تربطهم أية أواصر مع الضحايا. بل إن الأعداء، يتورعون أحياناً، وبخاصة عندما لا تكون هناك جدوى ميدانية من قصف المناطق المدنية بدون تمييز. وقد كان متوقعاً أن تشمل العمليات القتالية، الدائرة في سوريا الآن، مخيم اليرموك وأحياء فلسطين والتضامن والحجر الأسود. على الرغم من ذلك، هناك بعض المعالجات في الصحافة العربية، رأت في مظهر الهلع والنزوح عن المخيم "مؤامرة" من طرف المعارضين، وعملية زج مفتعلة، للفلسطينيين في أتون الصراع. ولا نعلم بالضبط، ما الذي كان أصحاب هذه المعالجات يتوقعونه على صعيد الصراع؟ أن تحاط مناطق التجمع الفلسطينية المختطلة ـ مثلاً ـ بتدابير للحجر وللتعقيم، بحيث يظل يحافظ على طهارتها أحمد جبريل وشبيحته، ويكون الفلسطينيون غير مبالين بالحدث السوري، وتُستثنى مناطق سكناهم من مسرح العمليات بسبب أن فيها فلسطينيون؟ ولماذا يقال إن الجيش الحر أو المعارضة هي سبب النزوح، وكأن الأمر الطبيعي هو أن يسيطر جبريل، وبخلاف ذلك يكون الأمر النشاز، بحيث يصبح الأمر الطبيعي الثاني، في حال فقدان جبريل للسيطرة، هو تسوية مساكن المخيم بالأرض، بقصف من الجو وبالمدفعية؟!

صديق لنا يكتب من عمّان، فيعدد الجهات المسؤولة عن نكبة "اليرموك"، فيرى الإمبريالية ويرى قطر ويرى الرجعية وقوى الشر الخارجية، ولا يرى الأسديين وشبيحتهم وقواتهم، في ذروة هذا الولوغ في دم الشعب السوري. فكأن حافظ الأسد وأبناءه وأشقاءه قد ولدوا للأم تريزا الحانية الزاهدة، وكأن بشار حفيدها، وكأن رقة الأسرة وطهارة أيديها هي الخيار الجميل للسوريين. بل كأن هؤلاء الأوغاد، هم من القوميين فعلاً، أو كأن القومي الفلسطيني سيكون قومياً حقاً، إن لم يألم ويغضب لسفك دم الإنسان العربي السوري، مثلما يألم ويغضب لسفك دم الإنسان العربي الفلسطيني دون زيادة أو نقصان..!
 
في هذه المعالجات المعيبة، يستغل المعالجون الحرج الطبيعي لدى القوميين والديموقراطيين، من الوقوع في أية مشتركات مع أنظمة تقليدية أو مع جهة صاحبة إرث استعماري. والناس، من حيث المبدأ، مترددون في المصارحة بدواخل نفوسهم. فمحسوبكم لا يتردد لحظة في القول، إن ما فعلته القوى الاستعمارية في شعوب سوريا وفلسطين ولبنان، لا يصل الى نسبة 10% مما فعله نظام الأسديين الذي يطرح نفسه حارساً لمصالح الأمة، ناهيك عن كون أولئك هم المستعمرون وليسوا المحررين الثوريين الممانعين. فيا ليت البلجيك أو الهولنديين، أو حتى الإنجليز، حكموا سوريا طوال الأربعين سنة الماضية، طالما أن هؤلاء جميعاً، على قبح استعمارهم، يختلفون عن الصهيوينة والأسدية في أمر مهم واحد، هو عنصر الأبدية، أي الاستيطان الأبدي بالنسبة للأولى، والحكم الأبدي الاستبدادي الفاجر بالنسبة للثانية. فالمستعمرون، في هوامش حكمهم، دربوا النخب على السياسة، وقاوموا التصحر السياسي، ولما جاءت مواعيد الاستقلال، لم يقفز الى السلطة متطرفون أو "قاعديون". ثم من الذي قال إن الأمريكيين يؤيدون ثورة الشعب السوري؟! إن مثل هذا القول "العبيط" قائم في الإنشائيات الساذجة التي يروج لها الأسديون، والأمر مختلف تماماً على صعيد مراكز البحوث الأمريكية التي تعاين الموقف وترى أن الأسديين ضمانة استقرار استراتيجي لإسرائيل..!

أما "الرجعيات" ومعظمها لم تكن رجعيات في كتابات اخوننا الحالمين منكري دم الشعب العربي السوري، عندما كانت صديقة للأسديين وحليفتهم وكانت العلاقات بينها وبين الأسرة الأسدية ومعاونيها، عائلية واجتماعية وسياسية وأمنية. فهل يريد بعض إخواننا القوميين تحميل الشعب السوري أوزار "الرجعيات" مرتين، واحدة عندما يستقوي النظام بها ويزداد رخاءً ويتعزز دوره، ومرة عندما تنقلب هذه الأنظمة المحافظة عليه لأنها لم تألف القتل الجماعي للناس في أوطانها، فتصبح علاقة الثورة بها، وتلقيها المعونة، سُبّة للمعارضة وبرهان انحراف؟! إن ما أوصل خطاب بعض القوميين، الى حال البؤس الذي يكون كلامهم فيها مثل "زن الناموس" هو مثل هذا المنطق القاصر الذي يعوم على شبر ماء. فكيف يرى عاقل، في النظام السوري ضمانة للممانعة ولوحدة للأراضي وللوئام الاجتماعي ولمناهضة الاستعمار، بينما يعتبر غضب الشعب وغضب وانشقاق حتى الحاشية والأجيال هو الاستسلام والارتهان للمستعمر وللانقسام الطائفي؟!

أما حكاية "جبهة النُصرة" فهي التي عوضت ميدانياً عن غياب لجنة المدد القومي التي كان ينبغي أن تحضر. والمجتمع السوري له طابعه الخاص. ففي الدين، هو أقرب الى الصوفية والتسامح. ومؤسسو الضغينة الطائفية ليسوا إلا هؤلاء الأوغاد الذين حكموا طوال العقود الماضية، وعندما واجهوا الثورة، اخترعوا في بعض المواضع، جهاديتهم السلفية المزورة لكي يغيثهم أعداؤها الأمريكيين. وهؤلاء الأخيرين، لم يغيثوا ولكنهم لم يتحمسوا لثورة الشعب السوري. وفي هذا السياق الصعب المضطرب، دخل سلفيون جهاديون، فأظهروا سلوكاً مختلفاً بشهادة المراقبين. لكنهم أولاً وأخيراً، لن يحكموا لأن النظام الذي انفجر في وجهه الشعب السوري أعتى منهم وكان أكثر تمكيناً. فإرادة الشعوب لا يقهرها مستبد ولا متطرف، والأمم تلتزم أخلاقها وثقافتها..!

* الكاتب يشغل منصب سفير فلسطين في الهند. - adlishaban@hotmail.com