2012-12-20

قراءة متأنية لملتقى الاعمال بالقدس


بقلم: نبيل حمودة

حدث خلال هذا الشهر ملتقى اقتصادي في مدينة القدس لا يمكن اغفاله أو التغاضي عن اهميته، لما له من مدلولات وأبعاد لا يمكن إلا الحديث عنه ، فللحدث ارتباط وتاثير وثيق على الوضع الاقتصادي بالقدس ، وله انعكاساته السياسية عليها بشكل عام، اذ لا يمكن فصل الاقتصاد عن السياسة بأي حال من الاحوال تماماً كما لا يمكن فصل القدس عن محيطها وعزلها عن باقي المدن الفلسطينية.

إن إفتتاح ملتقى القدس للأعمال الذي عقد يوم الخميس الموافق 13/12/2012 باشراف "شركة القدس القابضة"، يعتبر اطلالة اقتصادية للقدس وللاقتصاد المقدسي، سيدفع مع مرور الوقت بمعدلات النمو الايجابي الاقتصادي والمالي للمدينة، مهما تباينت وجهات النظر حول هذا المؤتمر او غيره من مثل هذه المؤتمرات التي يختلف الاشخاص بتقييمها وفي جدواها ومدى أهميتها، فان اقامة مثل هذه المؤتمرات في كل الاحوال افضل من عدم انعقادها "وفي هذا فليتنافس المتنافسون" فهو خبرة تراكمية يجب ان لا يستهان بها.

فان انعقاد مؤتمر اقتصادي بالقدس الشرقية يعتبر هو الأول من نوعه وحجمه على هذا المستوى لكونه يحدث لاول مرة فيها منذ احتلالها، فهو نجاحاً وطنياً تم بمجهودات وأجندة وخبرات وطنية ذاتية من القطاع الخاص وبعض رجال الاعمال المقدسيين الامر الذي يعيد الثقة ويعطي بعض الامل للمجتمع المقدسي، "فالسلطة لم تتحمل اي تكلفة تتعلق بمصاريف المؤتمر أو الاشراف التنفيذي عليه". حيث ان اقامة احياء مثل هذه المؤتمرات والملتقيات والإعداد لها، تحتاج إلى تكاليف مالية وخبرات متخصصة، وعلاقات نافذة، وجهود خلاقه، وإدارة متميزة، وإشراف وحسن تنظيم حتى يتناسب تنفيذها والانطباع عنها مع مستوى أحداثها، ومحتوى موضوعاتها، والأهداف المرجوة منها.

ولا شك ان انعقاد المؤتمر بالقدس بهذا الحجم الكبير مبادرة وخطوة من خطوات، ومرحلة من مراحل متصلة، فهو نافذه اقتصادية عملية للمدينة المقدسة لا بد من استثمارهما بخطوات ومراحل متتالية ، في اطار استراتيجية وبرامج واضحة المعالم محلياً وإقليمياً ودولياً، اذ لا يتوقع قيام المستثمرين الراغبين في الاستثمار بالقدس، ان يستثمروا اموالهم بلقاء عابر معهم أو في اليوم التالي على حضورهم، بل ان مشاركتهم وغالبية حضورهم هو للإطلاع الاولي واستكشاف الوضع في القدس، ومعرفة مجالات الاستثمار فيها، والوقوف عن كثب على وضعها الاقتصادي والسياسي وهذا يتطلب الاعداد والتنفيذ الجيدين  لمثل هذا المؤتمر، كما يتطلب قدرة رجال الاعمال والاقتصاد بالقدس على حسن الاعداد وعرض مشاريعهم لحث هؤلاء المستثمرين وغيرهم  للاستثمار، وتشجيعهم عن طريق توطيد الاتصالات بهم، وزيادة التواصل والارتباط معهم، بشكل فردي او جماعي لضمان استمرار متابعة تنفيذ توصيات مثل هذا الملتقى او غيره  لملتقيات اخرى في المجالات الاستثمارية، وهذا يتطلب أيضاً تضافر جهود جميع الاقتصاديين المقدسيين للنهوض وتشجيع الاستثمار بشكل دوري فعال، لتعظيم الاقتصاد المقدسي والنهوض به، وذلك للارتقاء بالعديد من المشاريع القائمة والأخذ بيدها لمزيد من النمو والتطوير، كذلك يتطلب نجاح مثل هذه المؤتمرات على تطوير واستكمال القطاعات المساندة لها والا اعتبر هذا النشاط عمل مبتور ومجزأ.

وبنظرة سريعة على عدد المؤسسات الراعية للمؤتمر والبالغ عددها حوالي 16 مؤسسة محلية ودولية، "اللجنة الرباعية الدولية، الاتحاد الاوروبي، G.I.Z. ، وزارة التجارة والاستثمار البريطانية، هيئة التنمية البلجيكية، البنك الاسلامي للتنمية كما شارك محلياً شركة القدس القابضة، الاتصالات الفلسطينية، صندوق الاستثمار الفلسطيني، بنك فلسطين الدولي، B.W.C، بنك القاهرة عمان، شركة مسار، شركة سجاير القدس، الوطنية موبايل، وكذلك لعدد المشاركين اللذين وصل عددهم لحوالي 350 شخصاً مهتماً ومختصاً، منهم لا يقل عن 70 اجنبي يمثلون 15 دولة، والذي تحدث فيه ما يزيد عن 40 متخصصا تناولوا التطرق لمجال تخصاصاتهم "الاسكان والسياحة والتعليم وتكنولوجيا المعلومات والتطوير العقاري" وناقشوا وبينوا خلالها الافاق الحالية والمستقبلية للوضع الاقتصادي بالقدس، وفرص نجاح الاستثمار لعدد 34 مشروع تم دراستها بعناية لعدد 15 شركة وصاحب مشروع بلغت القيمة التمويلية لها حوالي 500 مليون دولار، جاهزة للتنفيذ لمن يريد المشاركة والمساهمة في هذه المشروعات، ولعل خير دليل على نجاح المؤتمر، المشاركة الفلسطينية الواسعة من داخل وخارج القدس، وكذلك مشاركة ممثلي الدول العربية والأجنبية الذين حضروا للمشاركة المؤتمر.

ومما لا شك فيه فإن وراء المؤتمر جهد وعمل دءوب ولا بد من يعطي ثماره فهو نتاج دراسات ومخططات لمشاريع استثمارية القدس بحاجة اليها والى عقد اكثر من مثل هذا مؤتمر وأكثر من جهة راعية وداعمة، والى خبرات محلية على علم وشفافية ومصداقية وذات دراية لمثل هذا المؤتمر بعد الاستفادة من ايجابياته والتجاوز عن سلبياته كما يتطلب لنجاحه حسن التعامل والتعاون بين المؤسسات المقدسية في هذا المجال لمصلحة القدس وأهلها ولا شك بأن التكاليف المدفوعه لتغطية اعمال المؤتمر ستخضع للتدقيق امام الجهات المانحة لابراز شفافية العمل بالمشروع وليكون المؤتمر مثالاً يحتذى به أمام الغير.

لقد أوضح المتحدثين المتخصصين وأظهرت الدراسات المعدة في المؤتمر بان فرص الاستثمار بالقدس جيدة بالرغم من معوقات وعراقيل الاحتلال والظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها المدينة حيث بينت الدراسات بان المدينة بحاجة ملحة الى حوالي 40000 وحدة سكنية و1000 غرفة فندقية و120 مدرسة خلال العشر سنوات القادمة، وان هنالك مجالاً في البناء الجديد او التوسع على القائم لإقامتها وتنفيذها مما يعطي مجالاً وفرصاً للاستثمار تشكل روافع اساسية للاقتصاد المقدسي في ظل قوانين الاحتلال المطبقة ، اذا ما توفرت الارادة السياسية والاقتصادية والمالية للتنفيذ المرحلي خصوصاً للمشاريع المدروسة والمعدة من قبل المعنيين والمستشارين والخبراء المختصين التي قدم معظمها ضمن اوراق المؤتمر، ويتطلب أخيراً لوحدة الموقف والصف المقدسي المتعاون مع بعضه البعض.

وفي هذا السياق فان من المعلوم  ان هذا المؤتمر يشكل أفقاً جديداً للاستفادة منه وهذا لن تتحقق بمؤتمر منفرد ليوم واحد او اثنين ، ومن جهود شركة واحدة او اثنين ، بل لا بد من استمرار  التحفيز على اقامة مثل هذه الملتقيات او غيرها وعلى تكاثف جهد جميع المقدسيين والمؤسسات الاقتصادية المقدسة داخل المدينة، والفلسطينيين داخل فلسطين وخارجها وعلى رأسها البنوك والمؤسسات المالية والتمويلية، وكذلك الدول والمؤسسات والصناديق ورجال الاعمال العرب، ناهيك عن الدول الاجنبية فالمطلوب جذب الاموال وتشجيع الاستثمار بالقدس حتى يتم تحويل الاقوال الى اعمال والى واقع ملموس على الارض.

أخيرا إن شرقي القدس بحاجة الى الاستثمار في جميع قطاعاته الاقتصادية وبحاجة الى مشروعات استثمارية عديدة لفتح فرص عمل لابنائها لتثبيتهم على ارضها. وهذا يتطلب البحث الدائم من اساليب للنهوض باقتصاد المدينة وتغليب مصلحة الوطن فوق المصالح الشخصية فالقدس فوق مصلحة الجميع دائماً؟ وهو مسئولية كل مقدسي وواجب على كل فلسطيني وعربي ومسلم.

وصحيح ان الاستثمار في القدس يواجهه العراقيل نتيجة الوضع السياسي غير العادي الا ان فرص نجاحه ليست مستحيلة، اذ لا بد ان تبقى القدس لمركزها الديني وضعها الاقتصادي ومكانتها الوسطية، عاصمة فلسطين ومركزها التي يتجمع من حولها المدن الفلسطينية، وترنوا وتهفوا اليها افئدة العرب والمسلمين اجمع.

* الكاتب يعمل في قطاع الأعمال ويقيم في مدينة القدس. - nabeelhammouda@yahoo.com