2012-12-19

تغطية الفضائيات الفلسطينية للعدوان الاخير على غزة نجاح يحتاج الى تكريس


بقلم: عماد الاصفر

الانطباع الذي تولد لدى كثيرين حول التحسن على اداء الفضائيات الفلسطينية في تغطية العدوان الاخير على غزة انطباع صحيح من وجهة نظري، رغم غياب أي مؤشرات او ادوات قياس علمي تثبته، وهذه دعوة لمراكز الابحاث من اجل قياس مدى جودة الاعلام الفلسطيني على الدوام وبشكل متكرر وليس موسميا. 

الجميل ان هذا التحسن ليس مرتبطا بالمقارنة مع تغطيات ذات المؤسسات الاعلامية الفلسطينية للاعتداءات السابقة، بقدر ما هو مرتبط بالمقارنة مع الفضائيات الكبرى، ومع التأثير الذي خلقه وخلفه الاعلام لناحية توفير المعلومة ورفع الروح المعنوية.

ما يهمني اكثر هو تحليل هذا التحسن، عبر الكشف عن اسبابه ودوافعه من اجل استغلالها الى الحد الاقصى، وعبر تجسيده تجسيدا ماديا، من اجل تكريسه والبناء عليه بدلا من التوقف عنده او التراجع الى ما هو دونه -لا سمح الله مستقبلا-.

الاسباب والدوافع وراء هذا التحسن كثيرة منها: التنافس فسابقا كان لدينا فضائية او فضائيتين فلسطينيتين تنافستا ودخلتا تنافسا او مقارنة ظالمة مع كبريات الفضائيات العربية، اما الآن فلدينا فلسطين، وفلسطين مباشر، والفلسطينية، وفلسطين اليوم، ولدينا القدس، وهنا القدس، والاقصى ومعا والعودة، وهذا التنافس خلق تحسنا، خاصة وان بعضها يبث من بيروت ويستفيد من المهارات التقنية الكبيرة الموجودة هناك، وكذلك "برودة الرأس" التي يوفرها البعد عن مركز الحدث.

ويضاف لذلك انكشاف اجندات الفضائيات العربية وانشغالها عن الموضوع الفلسطيني بمواضيع اخرى مهمة ايضا كالشأن السوري والمصري، فسابقا كان الشأن الفلسطيني يأخذ حيزا اكبر من اجندة هذه الفضائيات وكانت مصداقيتها في العلالي، ولكن هذا الاهتمام خف مؤخرا، وهذه المصداقية تضررت بعض الشيء وهو ما استفادت منه الفضائيات الفلسطينية.

وفي الجانب المادي كان هناك توفر وتنوع الصورة فسابقا كان لدينا تقريبا صورة واحدة تبثها راماتان ولكن في العدوان الاخير كان هناك امكانيات تقنية اكثر وسيارات نقل خارجي وما الى ذلك، وادى ذلك لتنويع يغطي مساحات أوسع وسرعة في نقل الخبر.

 وعلى صعيد الاداء الاعلامي لمسنا غلبة للمهنية وتواجدا لاعلاميين شباب ركزوا على المعلومة وابتعدوا قليلا عن الشعارات الرنانة والتجاذبات السياسية او التلميحات الفصائلية، ولمسنا تفاني وجرأة الصحافيين رغم الاستهداف والتحذير وقصف المقرات واستشهاد وجرح الزملاء، وشهدنا ثبات المذيعين وحفاظهم على رباطة الجأش والبعد عن الارتباك وهو ما رفع الروح المعنوية للمتلقي، وكان هناك تنشيط مستمر للشاشة باخبار عاجلة حتى لو كانت مجرد تلخيصية لوقائع سابقة وهو ما شكل عنصر جذب شد انتباه المتلقي.

وعلى صعيد الاداء السياسي كان هناك تواجد دائم وسريع لقادة المقاومة والمتحدثين باسمها في مختلف وسائل الاعلام وكانوا دقيقين في الحديث وفي التعبير المنسجم عن المواقف السياسية.

كما تميزت تغطية العدوان الاسرائيلي الاخير بتوفير الرأي الاسرائيلي امام المشاهد من خلال الترجمات السريعة والتي وصلت الى حد يشبه التحاور على الهواء مباشرة كما حدث مع قناة الاقصى واحدى الفضائيات الاسرائيلية. وكذلك الاعتناء برأي المواطن وهو ما عزز الشعور الوطني العام.

ورغم كل مظاهر التحسن لا يخلو الامر من نقاط ضعف وهذا طبيعي قياسا بالحدث والقدرة على التحرك ولكن من الملاحظ ان خبرة بعض المراسلين ما زالت دون المستوى، والحوار بين الاستوديو والمراسل ضعيف ومتقطع، ربما لان المذيع لم يعمل في الميدان سابقا ولا يعرف ولا يستطيع ان يقدر ظروف عمل المراسل في الميدان خاصة مع وقوع هجوم جديد.

كان هناك تركيز على صمود وثبات المواطنين وهذا مبرر ولكن في ثناياه تمت التغطية على اخطاء لا يجوز السكوت عنها مثل اعدام متهمين بالعمالة لاسرائيل ميدانيا ودون محاكمة، هذا يؤسس لعمليات ثأر مستقبلية ويضعف دور وهيبة السلطة والقضاء وكان بالامكان الاستمرار في اعتقالهم الى حين المحاكمة.

ولم يخل الامر من ارتباك مع بدء المفاوضات حول وقف اطلاق النار حيث كان المتحدثون باسم فصائل المقاومة في غاية الدقة والوضوح ولكن بعض وسائل الاعلام لم تلتزم بتصريحاتهم وبدأت بتسقط الاخبار من هنا وهناك ومن مصادر بعيدة نسبيا وبدأت بايراد اخبار عن هدنة خلال ساعة وما شابه ذلك وهو ما شكل حالة اضطراب.

ولعل من الاخطاء التي اضرت بمصداقية اعلامنا الاعتماد على البيانات العسكرية بشكل كبير ودون تدقيق، وبعضها لم يكن صحيحا.

هذا التحسن يجب ان يدوم ويتكرس ويبنى عليه نجاحات اخرى، ولكن الدم الذي سال وتمكن من جمع الاعلاميين على رسالة واحدة، غيبت كل ما هو مختلف عليه، سرعان ما سيغيب لتحل محله مصالح وطنية يجري التعبير عنها بفصائلية وتصريحات نارية فهل سيتمكن الاعلام من بحث الاختلاف بجرأة ومسؤولية وهل سيحافظ على مسافة امان كافية بين الاعلامي والسياسي؟!

الفرص ضئيلة للنجاح في هذا التحدي والسبب ليس الاعلام، فالاعلام قد يتمكن من اشاعة اجواء المصالحة بشرط ان تكون موجودة اصلا، وايجادها بالاصل ليس مسؤولية الاعلام بل مسؤولية السياسيين، يمكن للاعلام ان يمتنع عن بث تصريحات الزهار وتهديده باعتقال ابو مازن ولكن ذلك لن يلغي هذه التصريحات والتهديدات والأولى ان يمنعها تنظيم الزهار وليس الاعلام.

* صحافي فلسطيني- رام الله. - emadalasfar@hotmail.com