2012-12-18

"دور يا كلام على كيفك دور" وأهمية الفكر النقدي..!!


بقلم: د. نهى خلف

نعيش الآن في عالم جديد يتطور يوميا، حيث كما قال احد علماء "انثروبولوجيا الحياة المعاصرة" في فرنسا ان مفهومي "المكان والزمان" قد تغيرا، فمفهوم المكان تبدل بسبب انكماشه (حتى أصبح العالم مثل 'القرية الكبرى') وذلك بسبب سرعة تداول المعلومات حيث يتمكن شخص يقيم على بعد مسافات وأقطاب من التعرض لنفس المعلومة ولنفس الصورة وفي نفس اللحظة التي يتعرض لها شخصا يقيم في قطب آخر، كما تحول مفهوم الزمان بسبب تضاعف سرعة عجلة مروره. 

وقد تمكنت الفضائيات الاعلامية العربية استغلال هذا التطور في الفترة الانتقالية بين ماضي الرقابة العربية التي مورست على وسائل الاعلام العربية القومية والمحلية ومستقبل تطور شبكات مصادر المعلومات المفتوحة الانترنت، التي أصبحت أكثر رواجا.

فيذكر الجميع الدور الهام التي لعبته الفضائيات وخاصة "الجزيرة" خلال الهجوم الامريكي على العراق او غيرها من الحروب حيث سمحت للجميع بمعرفة كل التفاصيل والتطورات الميدانية حتى أصبحت الشعوب والعربية بشكل خاص مدمنة عليها (فقد تحولت إلى  افيوم الشعوب العربية) وذلك على حساب كل الانواع الاخرى من الاطلاع واكتساب المعرفة.  ولكن حسب المقولة الشهيرة: "يمكنك أن تخدع كل الناس فقط لبعض الوقت ويمكنك ان تخدع فقط بعض الناس لطول الوقت و لكن لا يمكنك ان تخدع كل الناس طول الوقت". فقد كشف "الربيع العربي" وبعض امتداداته المأسوية الظاهرة حتي هذا اليوم عن الاجندات الخفية التي تسيرها. 

فعلينا الاعتراف بالدور الهام الذي أدته "الجزيرة" وخاصة في تدريبها وابرازها لنخبة مهمة وجديدة من الاعلاميين العرب والذي يستمر الكثير منهم بلعب دور اساسي وهام على الصعيد الميداني (ويمكننا الاشارة في هذا الصدد الى الدور المهم الذي يلعبه مراسلو "الجزيرة" في فلسطين حتى هذا اليوم) وان نشكرها على ذلك وان نقول لها انها عليها ان ترحل ايضا فقد حان الوقت لها أن تتخلص من أجندتها السياسية وتلقي بها في مزبلة التاريخ مع انظمة العصر البائد التي كانت تحاربهم، ويجب اعلامها بأن طلابها قد تخرجوا من صفوف التعليم الابتدائي (الممول خليجيا)  في عصر العولمة،  لينتقلوا الآن الى تعليم أرقى يتعلموا عبره أهمية  الفرز بين الشعارات الفارغة والحقيقة، ثم بعد ذلك الى التمترس بمنهجية التمييز بين الشكل والجوهر وممارسة التفكير النقدي.

 أما شبكات الاعلام مثل شبكة "أمين" فهي تمر بتطور نوعي من حيث الأهمية وكثافة الافكار والآراء التي تتداول فيها دون ادعاء وبكل بساطة ودون أجندة خفية وتمويل.

 وأود بهذه المناسبة أن أقدم تحية خاصة لشبكة الاعلام العربية  "أمين" لانها اصبحت تمثل في رأيي منبرا نموذجيا يسمح للجميع بالتعبير عن الرأي مهما اختلفوا في الرأي. فهدا الانفتاح الذي يسمح  لكل الفئات من الكتاب، الكبار سنا المشهورين وغير المشهورين، المنغمسين في العمل السياسي أو العاملين على هوامشه أو الخارجين عنه، اكانوا اكاديميين او اعلاميين أو مهنيين،  ولكل للشباب الناشئين الذين لم تعط لهم الصحف الكبرى ولا المجلات الفرصة للتعبير عن رأيهم وأهم من كل ذلك فإن هذا المنبر ليس مبنيا على  الارتزاق بل عن القناعة الحقيقية بأهمية حرية الرأي.

ولكن لا يكفي ان يكون هناك حرية للرأي والاختلاف في الرأي بل من الضروري أن تتطور حرية الرأي بالتوازي حوار معرفي بين المفكرين والكتاب يؤدي الى المعرفة التراكمية مع بعدها التاريخي وان لا يكتفي كل من يكتب بعرض افكاره بل الى التعليق والرد على رأي الآخرين  وهذا تطور نوعي هام يتطلب ايضا تواصل زمني بين الأجيال من جهة وتواصل ما بين الذين يتواجدون في اماكن الشتات البعيدة وفي اماكن متعددة من الوطن المحتل جغرافيا ووجدانيا.

ان هذه العملية التراكمية بدأت تظهر وتتطور بشكل تلقائي، فعلى الجميع ان يعمل بهذا الاتجاه لانه فقط عبر التعبير عن كل الحقائق سنتمكن من الانتقال الى الأمام. 

* كاتبة وباحثة فلسطينية في الشؤون الاستراتيجية والدولية. - khalaf.noha@gmail.com