2012-12-17

ما قيمة الاحزاب اذا لم تستطع التوافق على دستور؟!


بقلم: حمدي فراج

ها هي نتائج الاستفتاء على الدستور في مصر قد تبلورت، وهي نتيجة شبه طبيعية لطالما ان هناك تجاذبا بين المعسكرين التقليدين، وهما معسكران منسحبان على جميع اقطار الوطن العربي تقريبا، الاول يريد العودة الى الوراء او الى ما يطلقون عليه الاصول او الجذور، والثاني الذي يريد الانطلاق الى الامام والتخلص من القيود والذي يطلقون عليه التحرر أوالتقدم، وهو بالمناسبة عدا عن انه صراع مشروع بين القديم والجديد، فإنه صراع طبيعي ليس بإمكان احد طرفيه حسم النزال فيه بالضربة القاضية، وفي غمرة قصيرة من الزمن، ولهذا نجده اشبه ما يكون بسيناريو متكرر ومتمدد على مساحات شاسعة من الزمن او التاريخ، عدا عن تجدده شبه الدائم، بمعنى ان جديد اليوم هو قديم غدا.

ما يهمنا في موضوع الدستور المصري، هو زج الجماهير الشعبية في هذه المعركة التي ليس لها فيها ناقة ولا جمل، والحديث هنا يدور عن الغالبية الساحقة من هذه الجماهير التي بالكاد تستطيع ان تفك الخط، في التعبير الدارج، وانها اذا ما نجحت في فكه، فإتها بالكاد تستطيع فهمه وهضمه، وانها بعد ذلك بالكاد تستطيع بلورة موقفها على هذا الهدي وهذا الفهم. ان هذا لا يعني ان الجماهير العربية في السودان او ليبيا او الخليج او فلسطين تستيطيع القيام بالمهمة على وجه اكمل او افضل، ولا حتى الجماهير الامريكية او الصينية او البرازيلية. 

الطبقات الشعبية العاملة والكادحة هي التي لا تملك اكثر بكثير من قوة عملها، بعكس الطبقات المالكة التي تملك كل شيء باستثناء قوة عملها، ليس لديها الوقت للذهاب الى الاستفتاء حتى اذا ما سمح لها، ولذلك فإنه ليس من باب الصدفة ان يكون  يوم الاستفتاء هو يوم عطلتها.

وهنا يأتي دور الاحزاب السياسية والجمعيات والهيئات والنقابات ليس فقط في صياغة الدستور، بل ايضا في التوافق على بنوده، وانه في حالة وجود بنود لا تحظى بالتوافق يحال الامر الى الاجسام المنتخبة مثل البرلمان او الشورى والتي يطلق عليها اسم "مجلس الشعب" المنتخب من الشعب مباشرة، فهذا جزء من عمله ومسماه الوظيفي، وهو – النائب - يتقاضى مرتبه من اجل هذا الغرض.

ان ما تشهده مصر، هو ليس صراعا على "دستور"، والا ما معنى حالة الاصطفاف خارج مصر من دول وحكومات تقف الى جانب الاستفتاء بنعم واخرى بلا، للدرجة التي نقل عن القرضاوي قوله ان قطر ستدعم مصر بعشرين مليارا اذا ما تمت عملية  الاستفتاء، وكيف يتم تفسير كل هذا الاحتقان والمظاهرات المؤيدة والاخرى المعارضة وسقوط مئات الجرحى بين ابناء الشعب الواحد.

إن "الدستور" الذي أطعمه دريد لحام لحماره في احدى مسرحياته لا يساوي اقراره بنعم او رفضه بلا، نقطة دم واحدة.

* كاتب صحفي فلسطيني يقيم في مخيم الدهيشة- بيت لحم. - hamdifarraj@yahoo.com