2012-12-17

الرواتب والاستنكاف العربي..!!


بقلم: عدلي صادق

كم هو معيب، استنكاف القادرين العرب، عن توفير شبكة الأمان المالية للسلطة الفلسطينية، التي تحمل مشروعاً، هو سياق العملية السلمية، في اتجاه المحصلة التي رآوها واقعية وتستوجب المساندة. فقد كانوا هم، الذين سدوا كل الطرق الى غير هذا السياق، وجعلوه خياراً وحيداً، وبات من يسلك طريقاً آخر، من الفلسطينيين، متطرفاً في ناظرهم، وهدفاً لأجهزة العسس وللمصالح المعنية بتضييق الخناق والحركة. وفي موقفهم هذا، يضع المستنكفون أنفسهم ـ للأسف ـ في موقف، أولئك الذين لا يريدوننا أن نقاتل ولا أن نتمسك بالحقوق من خلال عملية سلمية. فالاحتلال والأمريكون هم الذين تغضبهم المقاومة مثلما تغضبهم سياسة التمسك بمقومات التسوية والسعي الى توفير العناصر التي تجعلها جادة وذات صدقية.

فلماذا يتخذ إخواننا العرب، هذ الموقف الذي ينقلب على تاريخ طويل من مساندتهم للكفاح الوطني الفلسطيني؟ هناك من يختصرون الإجابة، قائلين إنها التعليمات الأمريكية. لكن السؤال الأهم هو: ماذا الذي يريدنا الحاكمون العرب أن نفعله، إن سُدت أبواب الصمود الفلسطيني الوطني، الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، على أرض الوطن؟ فإن انهارت السلطة، هل يتخيل عاقل، أن الشعب الفلسطيني وقضيته، سوف يندثران؟ وهل هناك مثال، على أن شعباً في هذه الدنيا ـ أي شعب ـ تبخّر واستحال دخاناً والتحق بالسحاب، فلم يعد له أي أثر؟ وإن كانت أعجوبة التبخر مستحيلة؛ فماذا يريدوننا أن نفعل في وضع كهذا؟ وكيف يمكن لنهج الاعتدال العربي، البرهنة على وجاهته ونزاهته، إن كانت الواقعية والاعتدال، في فلسطين، قد انتهيا الى مثل هذا البؤس الذي نحن فيه؟ معنى ذلك أن الأنظمة السياسية التي ترتعد من "القاعدة" ومن التطرف، تدفع دون أن تدري، الى "تقعيد" المنطقة برمتها. فالشعوب لن ترضخ، وهي في النهاية تريد حلولاً تحظى بتأييد شعبي، وإن سُدت السبل، في وجه هكذا حلول، فإن مسارب اليأس والقنوط والغضب المجنون، يمكن أن تنفتح أمامهم في أي مكان، ولهذه المسارب فقهاؤها ومساندوها. لكن عندما يعدد المعتدلون، منافع الواقعية ومزاياها، فإن براهينهم كلها تنحصر في نقطة واحدة ذات تفصيلات، وهي الحياة من حيث متطلباتها، والاستقرار فيها وشروطه، والصمود غير العنفي في وجه القوى الباغية، والحفاظ على الذات. فلماذا يضن العرب على إخوتهم الفلسطينيين بقليل من دراهمهم، لكي يوفروا شروط الواقعية التي لا تأخذهم الى البؤس والانكسار الكارثي، الذي يفتح الأبواب لكل ما يبغضونه من عنف مستشرٍ، عابر للحدود وللسدود؟!

*   *   *

قبل أيام، كتب أحدهم في صحيفة "العرب اليوم" الأردنية، فأنشأ مقاربة جديرة بالتأمل، لإعادة صياغة الأسباب الموجبة لأن تدعم الدول العربية الغنية، شقيقاتها الفقيرات، فقال إن الأردن، ينبغي أن يطالب بالدعم بقوة وبدون منّة من الآخرين، لأن هناك حقوقاً سماها الكاتب "حقوق الجوار النفطي" إذ كيف يجاور بلد فقير بلدان شقيقة غنية منتجة للبترول، فينشر حرس الحدود ويتخذ إجراءاته الأمنية لكي يظل البلد الغني مستقراً وآمناً، ولا تكون للبلد الفقير، صاحب الفضل على هذا الصعيد، مكافأته بالدعم المالي المنتظم؟ ولا اعتراض في الحقيقة، على ما ذهب اليه الكاتب، بل يمكن الاستفادة بطريقة أخرى من مقاربته تلك، على الرغم من كونه واحداً من أبرز النعراتيين الذين ضاقوا ذرعاً بالعنصر الفلسطيني في الأردن، مثلما هو حال المفلسين الذين أحالوا المشكلات الى غير أسبابها، فاستهدفوا الفلسطيني وجعلوه مزاحماً لهم على رزقهم. لكنه عندما استفحلت الضائقة، وكان صعباً عليه أن يُعلي من شأن الأواصر مع البلدان الشقيقة وشعوبها، وهو المنكر أصلاً للأواصر مع أقرب الأشقاء اليه؛ تحدث عن العنصر الأمني، بمضامين ذات صلة بالاستقرار وحقوق الضالعين فيه. فأية "حقوق جوار نفطي" أعظم وأهم من حقوق التاريخ والثقافة والخط السياسي لحكومات البلدان ذاتها، وعطاء الجماهير العربية لفلسطين، على امتداد مراحل الصراع؟ وإن كانت هذه كلها، لم تعد ذات قيمة، فأية أهمية أمنية على الصعيد الإقليمي، لمسألة "الجوار النفطي" إذا ما قيست بأهمية القضية المركزية وشعبها الصامد على أرضه، والأمل المتبقي بشأنها. فالقضية الفلسطينية ذات مدركات تجعلها جزءاً من الإيمان السماوي نفسه؟

إن هذه أسئلة وملاحظات، أوجبتها صعوبة صرف الرواتب، وهي محنة نشأت عن الاستنكاف العربي عن التغطية..!

* الكاتب يشغل منصب سفير فلسطين في الهند. - adlishaban@hotmail.com