2012-12-16

مصر الآن غير.. لكن..!!


بقلم: علي جرادات

بداية، بالآن أعني: منذ أن أصدر الرئيس المصري، مرسي، "إعلانه غير الدستوري"، وما نجم عنه من تداعيات، وضعت مصر على صفيح ساخن، شطرها إلى فسطاطين بشعارين ناظمين: فسطاط "حماية الشرعية والشريعة"، وفسطاط "للثورة شعب يحميها". فمصر الثورة بهذا لم تعد تماماً إياها التي تقارعت فيها "ميادين" جماهير ثائرة موحدة، مع نظام حكمٍ سياسي اغتصب حقها في الخبز والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، بل صارت تلك التي بوسع الأيديولوجي المجرد السطو على السياسي الملموس للتغطية على، وتشويه، و"شيطنة" مشروعية مطالب ثورية ترفض إعادة إنتاج النظام السابق.

ومصر هيبة القضاء بهذا لم تعد تماماً إياها التي عرفت صياغة الوثائق الدستورية الحديثة قبل ما يقارب القرنين، بل، وكان الفرعون فيها يجلُّ قاضي القضاة، ويقسم اليمين أمامه قبل 7000 سنة، بل صارت تلك التي بوسع سلطتها التنفيذية السطو على سلطة القضاء، بل، وصار بوسع أنصار الرئيس محاصرة مقر أعلى سلطة قضائية، المحكمة الدستورية، ومنْعِ قضاتها من دخوله، بينما تصمت مؤسستا الرئاسة والحكومة على ذلك، ولا تتحركان لإيقاف هذا الاعتداء الفج على سلطة القضاء واستقلاله وهيبته.

ومصر سلطة الإعلام بهذا لم تعد تماماً إياها التي أعادت لها ثورة 25 يناير منزلة "السلطة الرابعة"، بلسان، (ذي تاريخ مجيد)، حر طليق يبحث عن الحقيقة ويكشفها،  دون خوف من أو مجاملة لـ"سلطان"، أياً كانت هويته، بل صارت تلك التي بوسع أنصار أحزاب محاصرة "مدينة الإنتاج الإعلامي"، والمطالبة بقص كل لسانٍ إعلامي، يبث نصاً مقروءاً أو مسموعاً أو مرئياً، فقط لأنه يخالفهم الرأي.

ومصر "الوسطية" "السمحة" في تدينها لم تعد تماماً إياها التي تعانق فيها، في "ميادين التحرير،" رجال الأديان والمذاهب، على اختلافها، بل صارت تلك التي تنطلق منها، ومن على شاشات الفضائيات، دعوات التحريض على الفتنة الدينية، إلى درجة تجرؤ قيادات حزبية بارزة نافذة على القول: "إن جُلَّ المعتصمين في "ميدان التحرير" وحول "قصر الاتحادية" من المسيحيين".

ومصر الثورة بهذا لم تعد تماماً التي، (بعد تونس، وخلافاً لليبيا، مثلا)، أطاحت رأس النظام بالتظاهر السلمي، وبأقل تكلفة ممكنة، وبأقل ضرر لمؤسسات الدولة، بل صارت تلك التي تُسمع فيها أصوات قياديين حزبيين نافذين، يخاطبون، ويلهبون مشاعر، أنصارهم المحتشدين بمئات الألوف، وتنقلها عنهم للملأ شاشات الفضائيات، تقول: "انتظروا ساعة الصفر"، بل وذهب أحدهم إلى حدِّ القول من على شاشة فضائية: "إذا مُسَّت الشرعية والشريعة، فإننا سننادي: حيَّ على الجهاد المسلح".

ومصر سلطة القانون، (بعد ثورة 25 يناير)، بهذا لم تعد تماماً إياها التي بات حتى رجل الأمن يخشى عاقبة التعرض للمتظاهرين سلمياً في "الميادين"، بل صارت تلك التي يتاح فيها التعرض لعشرات من هؤلاء على يد أنصار أحزاب، يهاجمونهم، ويهدمون خيامهم، ويعتدون عليهم، بل ويعتقلونهم، ويسلمونهم للشرطة، التي تحيلهم بدورها للنيابة، التي تقرر الإفراج عنهم، بعد ثبوت براءتهم، والتأكد من أنهم مَن تم الاعتداء عليهم.

بالآنف من الشواهد، ناهيك عن كثير لا يتسع المجال لذكره، صارت "مصر الآن"، فعلاً، ليست هي، تماماً، ما عرفها العالم منذ اندلاع ثورة 25 يناير، بل، وإنها بهذا، ربما تكون إلى مجهول مهول ذاهبة، إذ على الرغم من هذه التداعيات السياسية بعيدة المدى "للإعلان غير الدستوري"، وعلى الرغم من فداحة ما نجم عنه من خسائر فورية مباشرة: قرابة 15 شهيداً ومئات الجرحى، خسارة بورصة تربو على 30 مليار جنيه، وحرق وتدمير عشرات المقرات الحزبية لجماعة "الإخوان" وحزبها، وتعطيل معظم مناحي الحياة المصرية وشلها، وتراجع غير مسبوق منذ 8 سنوات لقيمة الجنيه المصري،  إلا أن "الإخوان" وحلفائهم ما زالوا يجادلون في أن الرئيس المصري هو مَن يتحمل، أساساً وأولاً، المسؤولية السياسية، عن ما خلقه "إعلانه غير الدستوري" من تداعيات سياسية بعيدة المدى وخسائر بشرية ومادية فورية ومباشرة، بل، ويتهمون معارضيه بالمسؤولية عن ذلك.

يتغاضى "الإخوان" وحلفاؤهم، لسبب أيديولوجي محض، عن أن "الإعلان غير الدستوري"، وفقاً لحكم الغالبية الساحقة من قضاة مصر ومحاميها، هو ما قسم مصر، شعباً، سياسة، مجتمعاً،  قضاء، إعلاماً، و"ميادين" ثورة، إلى قسمين. بل، ويتغاضون، للسبب الأيديولوجي ذاته، عن أن عناد الرئيس المصري وعدم تراجعه عن "إعلانه"، (برغم ملموس خطورة تداعياته)، هو ما يحول، حتى الآن، دون النجاح في استعادة اللحمة الوطنية، خاصة بعد أن أثبت الإلغاء الشكلي والمتأخر لهذا الإعلان بإعلان دستوري آخر، يحصِّن الآثار المترتبة عليه، أن قرارات الرئيس الاستثنائية المفاجئة لم تكن، (كما جرى تبريرها)، إجراءات ضرورية لإجهاض "مؤامرة" يقصد أصحابها، (بدعم وتمويل خارجي)، المس بشرعية الرئيس المُنتخب، وإعاقة إعادة بناء مؤسسات الدولة، وعرقلة استكمال أهداف الثورة، بل، كانت، (القرارات)، مجرد مناورة، غير محسوبة العواقب، لتمرير مشروع دستور غير توافقي، عبر تحصين "اللجنة التأسيسية" لصياغته، من حُكْم قضائي وشيك للمحكمة الدستورية، ومن تبعات استقالة ثلثٍ نوعي من عضويتها، نزعت عنها طابعها الوطني، وحولتها، تماماً، إلى هيئة فئوية بامتياز، ما اضطر الرئيس، قبل أسبوع من إصدار "إعلانه"، المفاجئ، إلى الاجتماع برموز المعارضة، والتأكيد لهم بأنه لن يدفع مشروع الدستور إلى الاستفتاء الشعبي إلا بعد التوافق الوطني عليه.

لكن، وبرغم كل ما سلف، يبدو لي أن مصر الكبيرة، بشعبها المُنْكسر حاجز خوفه، وبشبابها الناهض الذي فجر ثورة، وبوطنية جيشها، وبشموخ قامة قضائها، وبحيوية "قوتها الناعمة"، وبطبقتها الوسطى المستنيرة، وبعريق تاريخها وحضارتها، وبرسوخ دولتها، وبمنجزات ثورة 25 يناير التي لم تُخلق من عدم، تبقى عصية على الإخضاع، لكن الخشية، أن تدفع مصر الكبيرة هذه، ثمناً باهظاً، لمناورات شهية التفرد بالسلطة وإقصاء الآخر، التي تقود بالنتيجة، بمعزل عن النوايا، إلى إضعاف منعة الصف الوطني، وهو الإضعاف الذي يُجبر، (بالضرورة)، على السير نحو الاتكاء على الخارجي المتربص، الولايات المتحدة وحلفاؤها، وأولهم إسرائيل، بلا ريب أو شك. مصر الآن مخاض ما بعد اختطاف ثورتها، لكنها ستنتصر، عاجلاً أو آجلاً، وإن بثمن باهظ على ما يبدو.

* كاتب وناشط فلسطيني- رام الله. - ali-jaradat@hotmail.com