يبدو ان هناك اتفاقا او تنسيقا ما، على ترتيب لاستئناف المفاوضات السياسية في عمان في شباط القادم بعد الانتخابات الاسرائيلية، فما الذي جد يا ترى حتى تتجدد الانتخابات..؟ هل تعهدت اسرائيل مثلا بان تتزحزح عن ثوابتها ولاءاتها..؟ هل تعهد نتنياهو مثلا، الذي من المرجح حسب التقديرات الاسرائيلية، ان يعود رئيسا للحكومة الاسرائيلية مرة ثالثة، بالاعتراف بالحقوق الفلسطينية وفي مقدمتها عدم اجتايح مناطق السلطة الفلسطينية..؟ هل سيقبل نتنياهو اصلا بالانسحاب الكامل، كي تقام الدولة الفلسطينية..؟ هل سينسحب من القدس..؟ هل سيفكك المستعمرات في نهاية الامر..؟ هل سيوقف الاستيطان..؟ جملة كبيرة من الاسئلة الكبيرة، التي في الحقيقة لا نحتاج الى اجابات عليها، فكل الامور الواضحة، والادبيات والسياسات والبرامج والمواقف واللاءات والنوايا والاستعدادات الاسرائيلاية واضحة تماما، فليس هناك من افق ابدا في ان تفكك اسرائيل مستعمرة واحدة، او ان تحرك جنديا واحدا عن نهر الاردن، فلماذا اذا استئناف المفاوضات من اجل المفاوضات؟ فكل العملية هدر للوقت والزمن والجهد، وتكريس لللاستيطان والاحتلال.
ففي الاستيطان على سبيل المثال، بات العالم كله تقريبا يجمع على مطلب "وقف الاستيطان اليهودي-وليس تفكيكه- مقابل تطبيع عربي كامل"، ولكن رغم ذلك فان اسرائيل ما تزال ترفض بالاجماع مثل هذا الوقف، بل اصبحت تطالب الفلسطينيين والعرب بالعري الكامل بدءا..!!
الصراع الحقيقي الجاري على ارض فلسطين ليس حول "وقف لو تجميد الاستيطان"، فالاستيطان بكامله غير شرعي وغير قانوني، وهو اعتداء على المواثيق والقرارات الاممية، وعلى الوجود والحقوق العربية الفلسطينية برمتها...!
اعلنت القيادة الفلسطينية انها سوف تستأنف المفاوضات من موقف مختلف بعد الاعتراف بفلسطين "دولة غير عضو"، غير ان اسرائيل لا تعتقد ذلك، بل تصر القيادة الاسرائيلية على ان هذا الاعتراف لن يغير شيئا على الارض، ونحن نعتقد انه حتى لو لبى الفلسطينيون شروط نتنياهو وباراك وليبرمان وغيرهم، المتعلقة بالدولة الفلسطينية المحجمة والمجردة والمقطعة الاوصال، والتي ليس هناك من افق حيقيقي لها، وحتى لو اعترفوا بـ"اسرائيل دولة الشعب اليهودي"، وحتى لو لبى العرب شروط اسرائيل ومطالبها المتعلقة بالتطبيع الشامل مقابل توقف او جميد الاستيطان، فان اسرائيل لن تلتزم بالمطالب الفلسطينية العربية الدولية، ليس فقط المتعلقة بالانسحاب من الاراضي المحتلة ومنها القدس، واقامة الدولة الفلسطينية، بل حتى بوقف الاستيطان الا اعلاميا-استهلاكيا تضليليا، بهدف كسب الوقت وبناء المزيد والمزيد من حقائق الامر الواقع الاستيطاني، ذلك ان الاستيطان هو العمود الفقري للمشروع الصهيوني برمته، فاذا انكسر الاستيطان ينكسر المشروع الصهيوني..!!
الى ذلك، اعلن نتنياهو امام سفراء 27 دولة اوروبية قائلا: "الاسرائيليون غير مستعدين لان يكونوا اضحوكة، توجد شروط لتجميدالمستوطنات،اسرائيليون كثيرون مستعدون لتقديم تنازلات كثيرة للفلسطينيين، ولكن شيئا واحدا هم غير مسعدين له: ان يكونوا اضحوكة، وعليه اذا كان أحد يريد أن اجمد المستوطنات، فاني اتوقع من الفلسطينيين أن يعطوا المقابل".
فماذا يريد نتنياهو من الفلسطينيين والعرب بالمقابل..؟
وليس ذلك فحسب، فقد كان نتنياهو اعلن: "أريد أن أقول من هنا من على منصة الكنيست لكل شعب إسرائيل، أن الليكود يسعي لتحقيق السلام، ولكن التاريخ اثبت، أن السلام يتحقق انطلاقا من القوه وليس من الضعف، ووفقا لقراءة صحيحه للواقع"..!! ويذهب تنياهو اوضح من ذلك ليؤكد "ان لا بديل عن استمرار السيطرة الاسرائيلية على الضفة الغربية".. ونقلت اذاعة الجيش الاسرائيلي عن نتنياهو قوله: "لا احد ولا حتى ابو مازن يستطيع القيام بعملنا، اذا ما خرج جيشنا من المنطقة فان حماس وايران ستدخلان اليها".
وتحدى نتنياهو العالم العربي، قائلاً: "لن تستطيعوا هزيمتنا طالما بقينا فوق جبال الضفة الغربية، ونحن لا يجب علينا أن ننسحب من هضبة الجولان بل علينا البقاء فيها".
ولا ينفرد نتنياهو لوحده في هذه المواقف والرؤى الجدارية الجابوتنسكية، بل ينضم اليه سابقون وراهنون ولاحقون كثيرون من اقطاب اسرائيل.
كان المحلل الاسرائيلي "الوف بن" قد اطلق على السلام الذي تريده اسرائيل اسم "السلام المسلح" على الطريقة الجابوتنسكية والبن غوريونية والشاميرية والرابينية والباراكية والنتنياهوية..
والسلام الذي يريدونه يقوم على اساس "اختفاء الطرف الآخر الفلسطيني سياسيا وحقوقيا" كما يؤكد الكاتب والباحث الاسرائيلي ميرون بنفنستي، وبعد "ان يتم تفكيك البنى التحتية للارهاب الفلسطيني.. واستكمال بناء الجدار" الذي اخذ يفرخ عشرات الجدران الاخرى.، ولكن الاهم والاخطر، بعد ان يعلم الفلسطينيون والعرب اطفالهم واجيالهم على روح ومعاني الصهيونية..!!
ولذلك، بدل هدر الوقت وهو ثمين جدا ولا يعوض ابدا، واسرائيل "تعمل على كسب الوقت بالمقابل، من اجل اقامة المزيد والمزيد من حقائق الامر الواقع، من الاجدى البحث عن خيارات اخرى غير المفاوضات المباشرة او غير المباشرة، التي لا تعني لنتنياهو سوى كسب الوقت وتكريس ما هو قائم والعمل على تهويد ما تبقى..!!