اليوم وقد انتهت مرحلة "الاحتفال" التلقائي الجماهيري بانجازات "الربيع العربي" الهائلة ومن اهمها التمكن من الاطاحة بمجموعة من الرؤساء والحكام (وليس انظمة بمعناها الاشمل) الاكثر فسادا واستبدادا في العالم العربي والتي كانت تستند على مزيج معقد وعجيب من الحكم المبني على خلطات متفاوتة من الفساد والاستبداد، مما تطلبت عملية الاطاحة بها تضحيات ضخمة وانتفاضات عارمة تمكنت من توحيد الشعوب مرحليا في اطار جبهة عريضة فضفاضة تضم مجموعات وتجمعات واحزاب وتيارات وفئات اجتماعية متعددة وكثير منها متناقضة في مصالحها الاستراتيجىة، وكان هذا التعدد ضروريا للتمكن من البدء بزعزعة الانظمة المرتكزة على الخلطات العجيبة بين الاستبداد والفساد والنهب واللامبالاة بمصيرالشعوب، بالاضافة الى العشائرية والجهوية والطائفية وعدم الكفاءة. فالفساد والسرقة بدون استبداد كان يمكن فضحه بسهولة والاستبداد بدون فساد صارخ كان سيتطلب ادوات أخرى لمحاربته، والمزيج بين درجات واشكال متعددة ومتنوعة من الفساد والاستبداد قد أدى الى ظهور نماذج وانماط مختلفة من الأنظمة، فمثلا نجد نظام درجة فساده أعلى ودرجة الاستبداد ربما أخف والنهب فيه صارخ ،بينما نجد نظاما أكثر استبدادا ولكن أقل فسادا الخ.. فمثلا نظام الحكم السابق في مصر كان يشبه أكثر لنظام الحكم في تونس فيما يخص الفضائح المالية واستحواذ العائلات الحاكمة على الموارد عبر الخصخصة غير المشروعة، مما أدى الى تعرية هذه الانظمة وفقدانها التام لشرعيتها ولذلك تمكن الشعبان المصري والتونسي من خلع النظامين بسهولة اكبر وباساليب اكثر سلمية من انظمة أخرى قد تكون اكثر استبدادا ولكنها كانت قد تمكنت من تغليف استبدادها والتمترس بشرعية تاريخية مخترعة وبخطابات ايديولوجية متفاوتة مما أدى الى صراعات أكثر دموية والى تدخلات أجنبية مثل الحال في ليبيا، ولذلك كانت هذه الانظمة ورؤسائها تصنف من قبل الشعوب بمصطلحات متفاوتة ومتعددة مثل "الطاغية" و"الديكتاتورية" و"المستبدة" دون تعريفات واضحة لهذه المفاهيم بينما كانت أدوات واساليب محاربتها من أجل خلعها تتفاوت أيضا، ولكنها تمكنت أن تتوحد حول شعارات أساسية وبسيطة وواضحة ومن أهمها "ارحل" و"الشعب يريد اسقاط النظام".
موضوع تصنيف الانظمة وتعدد اساليب محاربتها وتعريف القوى التي تدخلت (اكانت قوى خارجية اجنبية او عربية أو اكانت مالية او اعلامية) والاجندات المختلفة التي تقاطعت وتناقضت هنا وهناك موضوع هام وطويل ويتطلب دراسات وابحاث مطولة ولكن ما يحدث اليوم بعد الانتهاء من الاحتفال بانجازات "الربيع العربي" ودخول المنطقة في مرحلة ما بعد الربيع هو بروز مرحلة جديدة شديدة الأهمية في مسار منطقة الشرق الاوسط والعالم العربي بشكل خاص وهي مرحلة "ما بعد الإعصار الذي سببته الانتفاضات الثورية الجارفة"، ورغم ان هذا الاعصار الذي لم ينتهي حتى الآن في سوريا إلا أن الوضع المأساوي هناك يسهل عملية التفسير لما حدث في مناطق أخرى من حيث التقاطع في الاستراتيجيات والاجندات الدولية حيث أصبح واضحا ودون شك ان بعض القوى الخارجية تريد تقسيم المنطقة العربية جغرافيا وتفتيتها طائفيا واستمرار الفوضى والنزاعات الى ما نهاية لتحقيق سياسة الفوضى الهدامة والتي سميت للخداع بالخلاقة والتي تهدف الى زج المنطقة في حروب طائفية طويلة المدى وخاصة بين التيار الاسلامي السني والشيعي من اجل تنفيذ المخطط الأمريكي الصهيوني الشامل بالقضاء على ايران والحفاظ على الكيان الصهيوني كالقوة الضاربة الاولى في المنطقة وتحقيق عبر ذلك مقولة صدام الحضارات والتي تنظر من أجل صراعات دموية فيما بين حضارات منتمية للمعسكر الشرقي وليس ما بين المعسكر الشرقي والغربي كما صوره البعض.
فاليوم نرى انه ما بعد هذا الانجاز التاريخي الهام للثورات العربية لم تتمكن الشعوب الثائرة ليس فقط من اقتطاف ثمار ثوراتها وانتفاضاتها الشعبية بل بدأت نتعرض لأنواع جديدة من الاستبداد التي قد تكون أكثر ظلاما وان كانت اقل فسادا..
ولكن رغم صعوبة المرحلة فانه من حسن الحظ حسب الخطاب المعرفي والمنهجية العلمية فان تاريخ الشعوب لا يسير بخط مستقيم وميكانيكي بل يتطور بشكل جدلي ويصعب ان يعود الى الخلف. وحسب الخطاب الشعبي يعني ذلك انه كلما اشتدت الامور صعوبة بدأت أيضا تظهر الحلول.. أو كما قال الشاعر: "ضاقت فلما استحكمت حلقاتها ... فرجت وكنت أظنها لا تفرج",
ففي الوقت الذي يتخبط فيه الشعب المصري بسبب الغموض المفروض حول عملية الاستفتاء المتسرعة على مسودة دستور مليء بالغموض والخلط بالمفاهيم قبل التوصل الىى تفاهم واجماع وطني، وذلك عبر عملية تشويه وخلط بين مفاهيم متناقضة مثل "الديمقراطية" و"الحرية" من جهة ونقيضها مثل "الرقابة الاخلاقية والدينية" من جهة أخرى وبين "المواطنة والمساواة" من جهة ونقيضها "الاقصاء والاستعلاء" من جهة أخرى، وذلك في نفس الوقت التي تستخدم فيه من أهم ادوات واساليب الديمقراطية الغربية وهي عملية الاقتراع والانتخابات والاحتكام الى الصناديق، من أجل القضاء والانقلاب على جوهر الديمقراطية المبني على مبدأ الاختيار الحر وعلى الفهم والمعرفة والاستنارة وذلك عبر ارغام الشعب المصري الى الذهاب للانتخاب والادلاء بصوته على أفكار لم تنضج بعد في وجدانه وضميره، ولكننا نرى بالمقابل بوادر هامة للتفاؤل حيث بدأت الانتفاضات الشعبية تنتقل من مجال ساحات الاعتصام والتظاهر والنشاط اليومي والشعارات الى ساحات الحوار الفكري المعمق حول مصير الشعوب، هذا الحوار الذي كان غائبا في الساحات العلنية عبر عقود من الافساد الفكري والمالي الذي أدى الى اضعاف وارباك وتفتيت النخب والمفكرين والطلائع السياسية التي كان يجب عليها ان تكون الرائدة في الثورات العربية.
كما ان المعركة المحتدة حاليا حول اشكالية الدستور المصري قد أبرزت الحاجة الى الحوار العميق والحيوي والسريع على مستوى العالم العربي ككل وعند المفكرين بشكل خاص حول أهمية الدساتير في حياة الشعوب، أهميتها في روحها ومبادئها وفي المنهجية المتبعة لصياغتها فحتى هذا اليوم لم تكن الدساتير تحظى باهتمام الشعوب حيث كانت تعتبرها في زمن الاستبداد مجرد حبر على ورق حيث أهملت النخبة الفكرية مغزى الدساتير حيث كانت تعلم ان مصائرها خاضعة لقانون الغابة الذي يشرع للقوي كسر الضعيف، فكان الاهتمام بمسألة الدساتير يقتصر فقط على رجال القانون والذين كانوا يلتزمون في كثير من الاحوال للارشادات السياسية للحكام.
ان الحجة الرئيسية التي تستدعي صياغة الدساتير هي تحديد نظام الحكم في البلاد والفصل بين السلطات والحفاظ على حقوق الافراد ووضع قواعد للعلاقة ما بين الافراد وبينهم وبين السلطة.. كما ان الدساتير وحدها لن تغير كثيرا دون وجود وبناء مؤسسات مبنية على الكفاءة والشفافية، فالدستور حسب أقوال الرئيس الفرنسي الراحل ديغول عبار ة عن "الروح" بينما المؤسسات هي "الممارسة".
ان انتقال الحوار حول الدساتير الى الفضاءات الفكرية والمجتمعية والسياسية العامة، قد أدخلتنا في مرحلة "حرب الدساتير" المكشوفة والمعلنة والمنتشرة: ليس فقط في جمهورية مصر العربية بل في تونس حيث صاغ بعض أساتذة القانون من أمثال ياد بن عاشور وذلك منذ أكثر من عام مسودات لدساتير رفضت من قبل النظام الجديد كما يقوم في الجزائر اساتذة قانون مثل الاستاذ احمد محيو بفتح حوار نقدي حول النواقص في الدستور الجزائري، كما تدور في العراق نقاشات حادة حول مصير الدساتير وحتى في سوريا قام النظام المرتبك بمحاولات لتعديل الدستور بناء على وعيه لاهمية هذا الموضوع، كما ترأس مؤخرا في هذا الشهر العراق ما سمي بـ"مؤتمر الدساتيرالعربية" في اطار جامعة الدول العربية.. وأخيرا وليس آخرا أشار الرئيس أبو مازن الى وجود مشروع دستور للدولة الفلسطينية الوليدة.
فعلى الجميع ان يساهم اليوم في هذا المعترك الدستوري الجديد الذي قد يساهم في رسم الخريطة السياسية والاجتماعية الجديدة للمنطقة العربية، والذي اذا نجح في مهمته سيساهم في افشال مشروع الفوضى الخلاقة ليحولها الى نظام ديمقراطي نهضوي خلاق، فعلى الجميع أن يطالب باخراج هذا الحوار من الغرف السرية الضيقة والمغلقة مثل التي صاغت اتفاقيات أوسلو والتي أضاعت على الشعب الفلسطيني أكثر من عشرين عاما من المفاوضات العبثية للعودة فيما بعد الى الاحتكام مرة أخرى للشرعية الدولية.
فالجميع يجب ان يشارك في الحوار وليس فقط الحكام والقانونيين المحترفين لأن حروب الدساتير يجب ان تمثل حتما الاستمرار الطبيعي للثورات العربية عبر نقلها الى مجال الفكر والنقاش ثم وضعها على الورق بعد ان كانت فقط في الميادين مع الأمل ان ستستمر الميادين بالضغط من أجل ترجمة ما يكتب على الورق ليصبح ممارسة فعلية في الواقع.
وفي هذا السياق التفاؤلي من أجل البدء بحوار فكري مستنير لزرع بذور مجتمع جديد، فمن الضروري الاشارة الى أهمية مقال المفكر المغربي صلاح بوسريف "تحريف المفاهيم في العلاقة بين 'المدينة' و... 'الكنيسة'" المنشور يوم 14 ديسمبر(كانون الاول) في جريدة "القدس العربي"، والذي يجب أن يشكر عليه، ليس فقط بسبب شجاعته في فتح حوار حيوي في هذا الزمن المحوري والعاصفي من المسار السياسي والوجداني والروحي للعالم العربي، بل أيضا لوضوح رؤيته حول ضرورة التعريف والتوضيح وعدم التشويه للمفاهيم والخلط بين السياسية والدينية منها، خاصة ان الخلط بين الدين والسياسية قد يسرع في تأسيس أنظمة سياسية ترتكز على الدين لكي تصب في صلب المخطط الصهيوني الذي يسعى لتبرير مشروع الدولة اليهودية النقية وتطبيعها في محيط عربي لن تكون فيه الدولة اليهودية استثناءا ولا شواذا ما بين دول أخرى ترتكز على الدين.