2012-12-10

نحو أجندة تمويلية بديلة للمساعدات الدولية للفلسطينيين


بقلم: نادية حجاب وعلاء الترتير وجيريمي وايلدمان

حذّرت الولايات المتحدة الأمريكية مؤخراً ولمرّةٍ جديدة بأن أي تحركٍ تقوم به منظمة التحرير الفلسطينية لتحسين وضعها في الأمم المتحدة سيشكل خطراً على استمرار المساعدات المالية الأمريكية للسلطة الفلسطينية إضافة إلى عواقب أخرى. ومن المحتمل أن ذاك اليوم ليس بالبعيد؛ إذ يخطط رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس للطلب من الجمعية العامة للأمم المتحدة بترقية فلسطين لعضوية دولة مراقبة غير عضو نهاية الشهر الحالي. ولكن هل قطع الولايات المتحدة لمساعداتها المالية هو بالأمر السيء؟ إذ تشكك العديد من الأصوات بجدوى المساعدات الدولية المالية المقدمة للفلسطينيين الذين يرزحون تحت نير الاحتلال الاسرائيلي، ويطالب بعضهم بمقاطعة كاملة "لصناعة المساعدات".

لا شك أن الفلسطينيين بحاجة للمساعدات الدولية، ولكن وبعد عقود من الفشل فقد حان الوقت للبحث عن أجندة تمويلية بديلة للمساعدات الدولية ترمي إلى ما هو أبعد من مساعدة الفلسطينيين على التأقلم والعيش مع الاحتلال الاسرائيلي الذي يسلب أراضيهم من تحت أقدامهم. وبالتالي وحتى يضمن النموذج البديل فعالية المساعدات الدولية فعليه تحدي الوضع الراهن والقائم ودعم السعي نحو الحرية والحقوق وتقرير المصير.

ولكن وقبل نقاش كيفية القيام بذلك فمن المهم التعريج باقتضاب على إشكاليات المساعدات الدولية. تظهر هذه الاشكاليات بشكل واضح بآخر (تقريرٍ للنمو) للبنك الدولي للأراضي الفلسطينية المحتلة. إذ يوفر التقرير تشخيص سلبي للاقتصاد الفلسطيني ويخلُص التقرير صراحةً وبشكل غير مفاجئ بأن النمو الاقتصادي المعتمد على المساعدات الدولية هو نمو غير مستدام.

إلّا أن الوصفات السياساتية للبنك الدولي نفسه كانت وما زالت تشكل جزءاً كبيراً من المشكلة خاصة وأن للبنك الدولي نفوذاً وتأثيراً كبيراً على الطريقة التي يقوم بها الممولون بتصميم برامج مساعداتهم. وهنا مثالان فقط على ذلك:

 الإيمان بأن النظريات الاقتصادية التقليدية تنطبق على الأراضي الفلسطينية المحتلة وبالتالي فإن بعض التوصيات السياساتية للبنك الدولي تُعتبر غير واقعية وخطرة. فمن جملة ما يدعو له "تقرير النمو" بأن يقوم الفلسطينيون بتقليد ومحاكاة نموذج النمور الآسيوية وذلك "بالاعتماد على التوجه نحو الخارج والاندماج في سلاسل التوريد العالمية"، إضافة إلى حثّ السلطة الفلسطينية على أن تسعى جاهدة لتهيئة بيئةٍ للأعمال "من بين الأفضل في العالم". ولم يقدم التقرير كيف "لسلطة" لا تمارس أي سلطةٍ حقيقيةٍ على أرضها أو حدودها أو مواردها الاقتصادية الاستراتيجية بأن تقوم برعاية نمو كهذا قائم على التصدير والقيادة للقطاع الخاص. 

 كرّر "تقرير النمو" إيمان البنك الدولي الخطير بأن الاقتصاد الفلسطيني يمكن أن يستفيد من تعميق التكامل مع الاقتصاد الاسرائيلي. ولكن الحقيقة أن اسرائيل قد حرصت وعملت بأن يكون هذا "الاندماج" من جانب واحد؛ وبالتالي تمارس اسرائيل علاقةً تجاريةً احتكارية تجاه الاقتصاد الفلسطيني الأسير الذي يعتاش على دولارات المعونة التي تغطي جزءاً كبيراً من العجز التجاري مع اسرائيل. 

أمّا نموذج المساعدات الدولية البديل فسيركز على طرق وأساليب لمقاومة السلب وبقاء الفلسطينيين على أراضيهم وتحدي سياسات الاحتلال الاسرائيلي وممارساته من دون فقدان امكانية العمل في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وهنا ثلاثة اقتراحات للممولين لأخذها بعين الاعتبار: تعزيز الاعتماد على الذات في سد الحاجات الأساسية كالمواد الغذائية ووقف التدهور الحاصل في القطاع الزراعي؛ ودعم التعاونيات والمبادرات الاقتصادية المحلية؛ ومساعدة قطاعات كقطاع تكنولوجيا المعلومات الذي بإمكانه اختراق الحواجز الاسرائيلية المقامة حول الاقتصاد الفلسطيني. ولكن الأهم بأن لا يحدثوا الأذى والضرر في الاقتصاد الفلسطيني.

لا شيء من هذا مستحيل؛ فخلال الانتفاضة الاولى وبالرغم من كافة الإجراءات الاسرائيلية، قام الفلسطينيون في الأراضي الفلسطينية المحتلة بتقليل الاعتماد الاقتصادي على اسرائيل عن طريق تشجيع للاستهلاك المحلي وخلق فرص العمل المحلية. ومع أن الواقع اليوم أكثر تعقيداً بسبب حالة التشرذم والتفتت السياسي والجغرافي واستمرار توسيع وبناء المستعمرات الاسرائيلية غير الشرعية؛ إلاّ أنه ما زال هنالك الكثير للقيام به.

إحدى الخطوات الأولى الواجب القيام بها تتمثل بوقف التدهور الحاصل في القطاع الزراعي؛ إذ انخفضت مساهمته  في الناتج المحلي الإجمالي من حوالي %13.3 عام 1994 إلى %5.2 عام 2010. وقد حصل هذا التدهور بشكل رئيسي بسبب الممارسات الاستعمارية للاحتلال الاسرائيلي خاصة في مناطق (ج) والتي تشكل %62 من مساحة الضفة الغربية وتنعم بأفضل الأراضي والموارد المائية والطبيعية. ولكن هذا التدهور ناجم أيضاً عن إهمال السلطة الفلسطينية والممولين للقطاع الزراعي إذ لم تزد الموازنة المخصصة لهذا القطاع عن %1 من موازنة السلطة الفلسطينية منذ تشكيلها (حوالي %85 من الموازنة السنوية تذهب لرواتب الموظفين) ولقد هبطت حصة القطاع الزراعي من المساعدات الدولية لحوالي %0.74 منذ عام 2006.

بالإضافة الى ذلك، فقد تم توجيه القطاع الزراعي لإنتاج المحاصيل النقدية للتصدير كالزهور مثلاً بدلاً من المحاصيل الرئيسية، بالرغم من تحكم اسرائيل بالمرور من وإلى الأراضي الفلسطينية المحتلة وبالتالي تخفيض الاعتمادية على الذات. فبدلاً من ذلك، ينبغي على السياسات أن تدعم الزراعة ذات الكثافة المنخفضة مستخدمة الدعم المباشر للمزارعين لتمكينهم من البقاء في أرضهم وتعزيز انتاجيتهم، والتي من ممكن أن تساعد في خلق فرص عمل جديدة. كذلك ينبغي توجيه الغذاء المنتج بشكل رئيسي للأسواق المحلية وتقليل الاعتمادية على المساعدات الغذائية والواردات الاسرائيلية.

كذلك فمن الممكن أن يتم دعم الوحدات الزراعية المدمجة كما اقترح خبير البيئة الفلسطيني جورج قرزم. فمثلا، من الممكن أن تخدم الاعشاب كأعلاف في فصل الشتاء، وأن تعطي الاشجار غذاء كما وتعطي غذاء للحيوانات و وقود طبيعي مع أدوات ومعدات يحافظ عليها باستخدام تقنيات محلية. فرص أخرى تتضمن الزراعة الحضرية، زراعة الأحواض والمدرجات المائية والحدائق العمودية والتي تم اختبارها وتجريبها في عدة مخيمات لجوء فلسطينية في لبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة. كذلك فمن الأمثلة الملهمة ما تقوم به المبادرات الشبابية لدعم المزارعين في أراضيهم وتشجيع التطوع كفريق ساند، ويمكن لدوائر السلطة الفلسطينية أن تقوم بالمساعدة عن طريق تسهيل الولوج للمساعدات المالية والتقنية والذاكرة المؤسساتية بالإضافة الى توفير تسهيلات أخرى.

ثانياً، من المهم تعزيز التعاونيات والمبادرات الاقتصادية المحلية. إذ تم إهمال التعاونيات في الأراضي الفلسطينية المحتلة رغم أهميتها الاقتصادية في الأعمال التجارية الزراعية والصناعات الصغيرة وإنتاج الحرف. حيث تستطيع التعاونيات كسر الحواجز والتغلب على العزل الجغرافي وتوسيع الأسواق والمساهمة في بناء التضامن الاجتماعي والاعتماد على الذات.

ورغم توجيه بعض المساعدات الدولية للتعاونيات، ولكن ثمة فهم ناقص لدى الممولين لحقيقة أن هذه التعاونيات هي مبادرات اقتصادية تضطلع بمسؤوليات اجتماعية. لكن بعض هذه المساعدات الدولية تضعف التعاونيات عن غير قصد من خلال التعامل معها وكأنها منظمات خيرية تقدم المنح، وبالتالي فهي تغذي ثقافة الاعتمادية والاتكالية بدل الاعتماد على الذات في أوساط المجتمعات.

فبدلاً من ذلك يجب أن يكون الاستثمار في بناء قدرة دائرة التعاونيات الحكومية والجمعيات التعاونية الموجودة على أسس الحوكمة الرشيدة وتنمية المبادرات ومبادئ التعاون. وتقدم الاستثمارات الأخيرة ذات الأغلبية النسائية في قدرة اتحاد الجمعيات التعاونية على الادخار والائتمان في الأراضي الفلسطينية المحتلة دروساً مفيدة في هذا الصدد.

وفي الحقيقة، يمكن استهداف النشاط الاقتصادي النسائي من خلال التعاونيات، نظراً لأن معظم النساء يعملن أصلاً في الزراعة المعتمدة على العائلة ويعملن في الصناعات الغذائية والمبادرات الصغيرة المتعلقة بالحرف اليدوية. وهناك أيضاً حاجة إلى إيجاد أسواق جديدة لائقة ومتخصصة، خصوصاً في قطاع الخدمات، بغية زيادة مدى وتنوع عمل النساء.

وثمة مكان آخر لمساعدة الجهات المانحة للأراضي الفلسطينية المحتلة، يكمن في تطوير شبكات المبادرات المحلية المستدامة، والتي تدعو لتبني طرقاً تستند إلى السوق المحلية. وقد وثق سامر عبد النور تجارب من هذا النوع في السودان وفي لبنان وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة. وتشتمل الجهود الجارية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي يمكن تطويرها على أساس هذه الخطوط، على مشاريع ثقافية مجتمعية في نابلس وبيت ساحور، ومبادرات التجارة العادلة (زيتون وكنعان للتجارة العادلة) الذي يصل إلى الأسواق العالمية. ومن الممكن أن تشمل التدخلات الأخرى الزراعة على أسطح المنازل وامتيازات الصحة صغيرة النطاق وتدريب القابلات القانونيات.

وثمة منطقة ثالثة واعدة للاستثمار، تكمن في قطاع تكنولوجيا المعلومات الفلسطيني الذي قد يكون قوياً نسبياً أمام القيود الإسرائيلية الصارمة المفروضة على حرية حركة الفلسطينيين. فقد تحسن الاستثمار في هذا القطاع خلال فترة ذروة المساعدات الدولية بين العامين 2008 إلى عام 2010 متجاوزا الآمال. ومنذ العام 2009، تم استثمار 78 مليون دولار في هذا القطاع، بينما نما قطاع تكنولوجيا المعلومات من %0.8 إلى %5 من إجمالي الناتج المحلي الاجمالي بين العامين2008 و2010 -رغم العائد المتواضع الذي لم يتجاوز 6 ملايين دولار. وتشكل هذه المنطقة بالنسبة للاقتصاد الفلسطيني منطقة نمو نادرة، تعتمد أقل على المساعدات الخارجية، وتعتمد أكثر على طبيعتها كاستثمار للقطاع الخاص.

وقد ذهبت شركة التكنولوجيا الأميركية "سيسكو" التي استثمرت مبلغ 15 مليون دولار في الأراضي الفلسطينية المحتلة بعيداً إلى حد القول "إن فلسطين على وشك أن تصبح ثاني نقطة ساخنة كونية للتكنولوجيا الفائقة". ويشير غيزل كوردستاني من شركة "غوغل" إلى مكامن القوة الفلسطينية في التعليم ومهارات اللغة الإنجليزية، فيقول إنها تستطيع المساعدة على "بناء شيء ما للعالم العربي".

ومع ذلك، يبقى قطاع تكنولوجيا المعلومات رهينة لدى الاحتلال أيضاً. فعلى سبيل المثال، أعاقت إسرائيل تحديث أجهزة الاتصالات الفلسطينية الضرورية لازدهار قطاع تكنولوجيا المعلومات، وهي لا توفر الذبذبات لخدمات الجيل الثالث، مما يضع القطاع في حالة عجز تنافسي كبير. وبالإضافة إلى ذلك، ثمة خطر يتمثل في أن الشركات الإسرائيلية ستجني حصة الأسد من العوائد وتعيد تعزيز الهرمية غير العادلة في التحكم، والتي تجعل النمو مستحيلاً في ظل الاحتلال. وثمة إشارة منذرة تكمن في أن إسرائيل نفسها توجه الجهات المانحة الأوربية ضد هذا القطاع.

وأخيراً، هناك موضوع عدم إلحاق الأذى بالفلسطينيين. ذلك أن بعض المانحين الذين يمولون التنمية الفلسطينية يمولون أيضاً تعاون السلطة الفلسطينية الأمني مع إسرائيل، ومشاريع تستهدف "تطبيع" الاحتلال. ولذلك، يواجه بعض المانحون ومساعداتهم الآن الرفض من جانب الحركات الشبابية، بالإضافة إلى حركة المقاطعة ونزع الاستثمار وفرض العقوبات على إسرائيل. وتدعو بعض الأصوات الفلسطينيين إلى رفض المساعدات من الدول التي تدعم النشاطات العسكرية الإسرائيلية بشكل مباشر.

وهكذا، تحتاج أجندة مساعدات بديلة إلى حماية سياسية من جانب الجهات المانحة وحكوماتها، لأنها ستشكل تحدياً مباشراً للمشروع الكولونيالي الاستعماري الإسرائيلي. كما أن النموذج البديل الذي يضم أنواع السياسات والبرامج الموصوفة سالفاً يجب أن يكون مرتبطاً بعملية سياسية تضمن الحقوق الفلسطينية وفق القانون الدولي. وبغير ذلك، فإن الجهات المانحة تخفف وتهدئ الألم وحسب، بينما تستمر إسرائيل في استعمار وسلب الفلسطينيين.

* أعضاء ناشطون في شبكة السياسات الفلسطينية. - alaa@al-shabaka.org