2012-12-10

مشعل يُحرك الساحة الاسرائيلية..!!


بقلم: د. سفيان أبو زايدة

انشغل الاعلام الاسرائيلي خلال اليومين الأخيرين بزيارة مشعل ومهرجان "حماس" المهيب وخطابه الذي اصاب المجتمع الاسرائيلي بصدمة كبيرة واحرج نتنياهو ومعسكر اليمين في اسرائيل حيث عكس المشهد القادم من غزة صورة تختلف تماما عن تلك التي ارادت الحكومة الاسرائيلية تثبيتها في ذهن المجتمع الاسرائيلي بأن "عامود السحاب" عزز من قدرة الردع الاسرائيلية. ما نُقل عبر شاشات التلفاز هو احتفال بالنصر عزز من اهميتة مشاركة السيد خالد مشعل الذي احتضنتة غزة بما تعرفه من شهامة وحسن الاستقبال.

زيارة مشعل لغزة، وخطابة المتشدد من وجهة النظر الاسرائيلية فرض نفسه على المعركة الانتخابية التي انطلقت عمليا قبل يومين حيث كل السياسيين تقريبا ومن مختلف التيارات ادلو بدلوهم حول الزيارة، ولكن الاهم بالنسبة لهم هو خطابه  في المهرجان. ردود الفعل يمكن تلخيصها على النحو التالي:

اولا: لم يكن هناك تفسير اسرائيلي او حتى مجرد تعليق سواء بالتأكيد او النفي على ان اسرائيل سمحت لخالد مشعل بزيارة غزة  و في نفس الوقت لم تسمح للدكتور رمضان شلح. كل ما صدر حول هذا الموضوع هو من جهات فلسطينية. التقدير انه كان هناك اتصالات مصرية اسرائيلية على المستوى الامني لتجنب حدوث سوء فهم قد يؤدي الى انفجار الاوضاع من جديد. على ما يبدو التقديرات المصرية هي التي لعبت دور في اقناع الدكتور رمضان شلح و نائبة بعدم زيارة غزة في هذه المرحلة. هناك من يعتقد ان العامل المصري لعب دورا اساسيا في هذا الموضوع. التفسيرات كثيرة، تطول وتقصر، ومنها ما يذهب بعيدا دون ان يكون هناك اثبات على مدى مصداقيتها، لكن الحقيقة التي لا جدال حولها ان خالد مشعل حقق حلمه في زيارة غزة اما شلح فلم يحققه بعد.

ثانيا: في كل الظروف والاحوال، لولا المواجهة الاخيرة والشعور بالنصر لدى "حماس" بشكل خاص وفصائل المقاومة بشكل عام لما تمكن خالد مشعل من زيارة غزة في هذه المرحلة. اسرائيل ستفكر عشرات المرات قبل المساس به في هذه المرحلة. هناك اعتقاد ايضا وهو حتى لو دخل رمضان شلح، هناك شكوك ان تُقدم اسرائيل على المساس به هو الآخر، لسبب رئيسي لأن المصلحة الاسرائيلية هي الحفاظ على التهدئة بأي ثمن خلال فترة ما قبل الانتخابات التي ستجرى في الثاني والعشرين من الشهر القادم.

ثالثا: ردود فعل اليمين الاسرائيلي على خطاب مشعل كانت متنوعة. اسرائيل كاتس الوزير في حكومة نتنياهو قال ان الفلسطينيين يستطيعون ان يدعوا انهم انتصروا ويستطيعون ان يحتفلوا كما يشاؤون، اما نحن سنواصل بناء دولتنا و تعزيز استيطاننا، و اضاف ساخرا لقد تمنى مشعل ان ينال الشهادة في غزة وعلى الارجح ان تلبي له اسرائيل هذه الامنية. نفتالي بينت زعيم حزب البيت اليهودي الذي يمثل المستوطنين عَبر عن استغرابة وسخطة لماذا لم تُقدم اسرائيل على اغتيال مشعل و رفاقة. اما نتنياهو وبوجي يعلون فقد اختاروا شن هجوم عنيف على ابو مازن لانه لم يستنكر قصف تل ابيب بالصواريخ ولم يعبر عن استنكارة لخطاب مشعل المتطرف الذي يدعوا فيه الى ازالة اسرائيل، وانه ليس هناك فرق بين مشعل وابو مازن سوى في طريقة الكلام.

رابعا: رد فعل الوسط و اليسار في اسرائيل على زيارة مشعل وخطابة في  مهرجان حماس ان اليمين الاسرائيلي يلعب لعبة خطيرة وهو معني بتعزيز "حماس" بشكل غير مباشر واضعاف الرئيس عباس والسلطة. هؤلاء يعتقدون ان نتنياهو وعلى الرغم مما اصابه من حرج نتيجة خطاب مشعل و التصريحات النارية التي صدرت من هناك الا انه يريد ان يؤذي ابو مازن واضعافة، وان استراتيجية نتنياهو واليمين الاسرائيلي هو الابقاء على الانقسام الفلسطيني وادامته الى اطول وقت ممكن وتعزيز الانفصال بين غزة والضفة، حتى و ان كان ثمن ذلك تعزيز قدرات "حماس" السياسية والعسكرية في غزة.

السلاح الفعال في يد نتنياهو هو انه لا يوجد ممثل واحد للفسطينيين وان الرئيس عباس ليس له اي سلطة على غزة وان "حماس" التي ترفض السلام وترفض الاعتراف باسرائيل، بل تدعو لازالتها عن الوجود هي اليوم تشكل اغلبية في الشعب الفلسطيني، بالتالي لا تلوموا اسرائيل بل اللوم هو على الفلسطينيين.

على اية حال، الكرة الآن هي في الملعب الفسطيني لافشال نوايا نتنياهو، حيث وعلى الرغم من الحديث الكثير والمتكرر عن المصالحة، وعلى الرغم مما تضمنه خطاب السيد مشعل حول هذا الامر، الا ان هناك تخوفا لدى قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني التي لدغت اكثر من مرة، بأن ما حدث في غزة خلال اليومين الاخيرين قد يؤدي الى تعزيز الانقسام على اعتبار ان "حماس" لم تعد ترى احدا امامها. هذا ما لمسته ايضا حين اردت استمزاج الاراء من خلال صفحتي على الفيس بوك قبل كتابة هذا المقال.

 التخوف موجود على الرغم انه كانت هناك مؤشرات تتناقض مع ذلك، اهمها مشاركة "فتح" لاول مرة منذ الانقسام في احتفالات "حماس" بغزة، حيث الجميع ينتظر ان تقيم "فتح" مهرجان انطلاقتها لاول مرة ايضا منذ الانقسام. هناك افراج عن معتقلين وعودة لمبعدين وهناك انزعاج اسرائيلي لان السلطة في الضفة لم تعد تلاحق نشطاء "حماس" حيث اصبحوا يتمتعوا بحرية اكثر منذ العدوان على غزة.

"حماس" بحاجة لأن تُطمئن الناس بأن ما تم تحقيقة من انتصار عسكري سيصب في خانة المصالحة وانهاء الانقسام وان كل الاحاديث عن مؤامرة وترتيب اوراق هي مجرد تخيلات ليس لها أساس من الصحة. ما قاله السيد خالد مشعل بأن فلسطين أكبر من ان يحملها فصيل يجب ان يترجم وبأسرع وقت الى خطوات عملية وانه  ليس مجرد كلام بل هو استراتيجية لحركة تطمح لان تلعب دورا رئيسيا في قيادة المشروع الوطني وليس حشره في مربع صغير. وكذلك "فتح" يجب ان تدرك ان الزمن يتغير بسرعة، والتاريخ وحده مهما كان مُشرفا لا يستطيع ان يضمن استمرار التربع على عرش القضية. الشعب الفلسطيني لا يكتفي بأقل من انهاء الانقسام على اساس اجراء الانتخابات الحرة والنزيهة والشراكة في تحمل الاعباء وقيادة المشروع الوطني.

* وزير سابق وأسير محرر من قطاع غزة. - szaida212@yahoo.com