أطنان من الحبر والورق دبجت عن أهمية المصالحة بين "فتح" و"حماس"، على أهميتها، لم تشفع بعد كي نراها متجسدة على الارض، بما في ذلك وساطات خارجية فلسطينية وعربية بعضها خالص لوجه القضية المنكوبة من انها لن تنفض عنها عارها ما لم تتوحد جهود ابنائها وصهر معاناتهم في بوتقة واحدة، حتى لو قام كل على حده بدك تل أبيب واستخلاص اعتراف دولي هائل بدولة مراقبة في الامم المتحدة.
لقد مضى على القتال والانقسام وقت طويل، بدى بالنسبة لجموع الناس دهرا، تآكلت فيه هيبة الشعب وبهتت مقاومته واندحرت قضيته على عدالتها درجات الى الوراء، وانحصرت الاهتمات برواتب تصل مرة وتتعثر مرات، وأنفاق تغلق وأخرى تحفر من جديد، وانتظار على هوامش الربيع العربي ان كان سيأتي بهذا الحزب او ذاك الى دفة الحكم في مصر مثلا، وما ان يحين موعد الحسم، حتى تبزغ قضايا اكثر تعقيدا من سابقاتها، فيعود المنقسمون الى دكة الانتظار من جديد.
من الواضح ان موضوع المصالحة، ليس فلسطينيا بحتا، وخاصة بعد ان بدأنا نسمع ونلمس اهتمامات جدية من قبل معسكري التخاصم ("فتح" و"حماس")، وصلت في بعض المحطات الى حصر ملفات التخاصم والى تشكيل لجان مشتركة من قبل كافة الفصائل لمعالجتها، ولكن بعد ذلك يحدث الاصطدام، ولا نعرف على وجه الخصوص من هي الجهة التي تقوم بالتعطيل والالتفاف والتلكؤ والتشرط، وسرعان ما نسمع كل طرف يكيل للثاني اتهامات التفشيل.
ليس مطلوبا في المصالحة الوطنية ان يجلس كل في حجر الآخر، وليس مطلوبا ان ينصهر هذا في ذاك وذاك في هذا، فنسمع "فتح" تشيد بصواريخ المقاومة والعمليات العسكرية والفدائية، وليس مطلوبا من "حماس" ان تشيد بالمفاوضات ونبذ العنف النضالي، فهذا لن يحدث الا في حالات تحول فردي بأن ينتقل حمساويون الى صفوف "فتح" وفتحاويون الى صفوف "حماس"، لآن "فتح" و"حماس" في التحليل الاخير برنامجان مختلفان، والمطلوب في موضوع المصالحة ان لا يعتدي احد على الآخر كما حدث قبل ست سنوات، لكن ليس مطلوبا ابقاء الحال على ما هو عليه من ان تبقى الضفة فتحاوية وغزة حمساوية وكأنها مادة خلقت مسجلة بإسميهما تحت باب الشرعية التي من الوجهة الرسمية نفذت.
لا بد من تخفيض سقف المصالحة، فلا بد كي تطاع من ان تطلب المستطاع، ولا بد حصر اهدافها وآلياتها في الوصول سوية الى صناديق اقتراع، يصار بعدها ان يقود الفائز دفة البلاد اربع سنوات وفق برنامجه الذي خاض الانتخابات على هديه، في حين ينتقل اصحاب المنهج الاخر الى صفوف المعارضة. هل يبدو هذا مستحيلا؟ نعم. اذا كانت احزابنا عبارة عن أدوات تتحرك وفق الاملاءات الاخرى. لكن بتحقيقها سيكتشفون لربما انها – المصالحة – اهم من الدولة المفترضة ومن بضعة الصواريخ التي ضربت في تل ابيب، لأنها تمس نسيجنا ونخاعنا المجتمعي.