لماذا وافق الفلسطينيون على دولة بصفة مراقب عام 2012 م، بينما رفضوا وتجاهلوا نتائج وتوصيات لجنة بيل عام 1936 بشأن تقسيم فلسطين تحت الانتداب البريطاني (عربية ويهودي ومنطقة اماكن مقدسة).
ولماذا تنازل الفلسطينيون فقبلوا دولة بصفة مراقب عام 2012 م، بينما رفضوا قرار الجمعية العمومية رقم 181 تقسيم فلسطين بتاريخ 29 تشرين الثاني عام 1947 أي قبل 65 عاماً الى دولتين يهودية مساحتها 56% وعربية مساحتها 44% وتدويل والأشراف الدولي على مدينة القدس والذي يشكل المرجعية الدولية لإقامة دولة اسرائيل، وهو نفس يوم تأييد وقبول الجمعية العمومية للأمم المتحدة قيام دولة فلسطين بصفة مراقب، ويوم التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني.
إلا يذكرنا ذلك بإعلان احمد حلمي باشا رئيس حكومة فلسطين عام 1948 م قيام دولة فلسطين، وقبول منظمة التحرير الفلسطينية بصفة مراقب بالأمم المتحدة عام 1974 م، وإعلان الرئيس المرحوم ياسر عرفات في تشرين الثاني عام 1988 قيام دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشريف.
ألا يحق للمرء أن يستفسر ويتساءل عن الدواعي ومبررات رفض الفلسطينيون التنازل عن 48% من أرض فلسطين عام 1947، بينما وافقوا عام 2012 على التنازل عن 78 % من مساحة فلسطين التاريخية، وان يتساءل عن الأسباب وراء هذا الزخم الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني عند اقرار قبوله لدولة فلسطين بصفة مراقب وتصويت 138 دولة لصالحها وامتناع 41 دولة عن التصويت، اي دعم وعدم امتناع قيام دولة بما نسبته 92% من دول العالم، وهذا دليل على حجم الزخم الدولي بقبول فكرة الدولة الفلسطينية واثبات على العزلة التي وضعت اسرائيل نفسها فيها جراء سياساتها المتطرفة سواء كان بالعدوان على قطاع غزة او الضفة الغربية خاصة ما تقوم به في مدينة القدس من تهويد وهدم البيوت وتهجير ومحاصرة وتضييق وإجراءات سياسة الاحتلال العنصرية والتطهير العرقي لسكانها العرب.
فهل اصبح الفلسطينيون عندما قرروا الذهاب للأمم المتحدة اكثر نضجاً وواقعية واعتدالاً وفهماً للأوضاع وموازين القوى والمتغيرات الإقليمية والدولية بعد مرور هذه السنوات؟ أم هل أخذوا بسياسة خذ وطالب "الذي طالب بها الرئيس المرحوم بورقيبة يوماً" في إطار حراك سياسي ومنطق جديد يقوم على قاعدة ما يخسره عدوك نصر لك؟ فاتبعوا التدرج المرحلي لتحقيق مشروعهم الوطني واسترداد ونيل حقوقهم الفلسطينية بالكامل ولو بعد حين، واعتبار ما جرى خطوة من خطوات متواصلة متعددة المراحل بالصراع؟ ام هل كما يتساءل بعض المناوئين "مدعي البراءة" بان قبول الفلسطينيين لهذا القرار يعتبر بمثابة تثبيت واعتراف تلقائي بحق الاسرائيلين بباقي الارض الفلسطينية؟ بينما يتساءل آخرون ممن كسر الزمن شوكتهم هل أثَّر توالي النكبات والنكسات والأزمات السياسية والعسكرية وآثار اللجوء ومعاناة تشريدهم، وصعوبة ظروف معيشتهم وانغلاق الافق السياسي لعملية السلام ولأي حل سلمي على قناعاتهم بأن اسرائيل اصبحت أمراً واقعاً لا بد من الاعتراف به والتعامل والتعايش معه؟ فأحبط ذلك من إرادتهم وأهدافهم وهممهم وهبطت سقوف مطالبهم وقبلوا على مضض ما يمكن الحصول عليه الآن ما كانوا يرفضونه سابقاً، خصوصاً وهم يرون امام اعينهم الاستيطان الشيطاني وهو يزحف اغتصابأً وسرقة لأراضيهم شبراً شبراً كل يوم دون حسيب أو رقيب، ومحاولات طردهم وتهجيرهم قصراً وطوعاً من وطنهم دون اي حراك أو اعتراض فعلي من احد. أم كانت على العكس دليلاً على قناعة جميع دول وشعوب العالم بأن صمود وثبات وشجاعة وحكمة هذا الشعب وقيادته وإصراره على عدم الاحباط والركوع والاستسلام، فهو شعب اسطوري لا يلغي ولا ينسي حقوقه مع مرور الوقت بل يزداد صلابة وعناداً وضراوة الامر الذي يؤكده استمرار جذوه مقاومتهم ومطالبتهم بكامل حقوقهم وثوابتهم الوطنية في العودة والتحرير والاستقلال وتقرير مصيرهم حتى الآن، بالوقت الذي راهن فيه غيرهم على نسيانهم وطنهم وقضيتهم مع مرور الوقت؟ أم هل فقد الشعب الفلسطيني كل ثقته بمساندة الدول العربية والشعوب الاسلامية فاستكانوا لحالة اللاحرب واللاسلم فيئسوا واعتمدوا على انفسهم للذهاب مباشرة الى الامم المتحدة لطلب دولتهم ، بالرغم من علمهم بعدم التزام اسرائيل بقرارات الامم المتحدة التي تضرب بها بعرض الحائط وبكل عنجهية وغطرسة؟ أم هل كان التوجه الفلسطيني للأمم المتحدة للحصول على دولة بصفة مراقب هو نفس الاسلوب التي حصلت عليه اسرائيل على دولتها، فقام الفلسطينيون ليلعبوا نفس اللعبة مع الامم المتحدة التي اجادت اسرائيل ممارستها ولعبتها؟ وهل وافقت الأمم المتحدة على الطلب الفلسطيني لما لمسته من انتصار الفلسطينيين في غزة، فأثرت تهدئة الأوضاع، لإعطاء فرصة للسير بالمفاوضات ومسار السلام ولو مرحلياً بعد تصدع هذا المسار، وحتى تُضعف تأييد الانتصار العسكري؟ فكانت موافقتهم كما يدعي بعض المتحذلقين وسيلة لمنح الرئيس محمود عباس انتصار سياسي يقابل الانتصار العسكري لـ"حماس".
أم هل كانت استجابت الامم المتحدة لطلب الفلسطينيين بدولة غير كاملة العضوية بعد ان تأكد لهم ضراوة الظلم والقمع والبطش والقتل والتشريد والتطهير العرقي والعنصرية الذي تمارسه اسرائيل ضد الفلسطينيين على مدار قرن من الزمان، وخطورة امتداد وتوسع اعتداءاتها على العديد من لدول العربية كالعراق ولبنان وسوريا والسودان وعدم التزامها بالاتفاقيات والمعاهدات التي تتساقطت وتتهاوى باختلاف الحكومات وسقوطها فزادت من عزلتها وباتت خطراً يهدد المصالح الغربية في المنطقة، وهل كان اللجوء الى الامم المتحدة حلاً لمشكلة التفاوض والنفوذ الدولي، وللتحرر والتمرد من الثنائية "الاسرائيلية، الامريكية" المسيطرة على محادثات السلام التي باءت بالفشل "بعد مرور 20 عاما على المناداة بها"؟ ومحاولة لإعادة الكرة للأمم المتحدة وللهيئة الدولية بعد أن أصبحت قضية فلسطين وخارطة الطريق والدولة الفلسطينية شعارات والعوبة بيد السياسيين كالكرة يتلاعبون بها ويقذفونها كما يشاؤون.
وعلى العموم ومهما كان السبب الرئيسي للجوء إلى الأمم المتحدة لطلب قبول فلسطين بصفة دولة مراقب وموافقتها على ذلك فإنها تعتبر خطوة استراتيجية وتراكمية وقوة دفع للعمل السياسي الفلسطيني، فللقرار رمزية اخلاقية ومعاني سياسية ، وهو بلا شك تحول ونقله دبلوماسية ومرجعية تاريخية وجغرافية، ونصر دبلوماسي ومعنوي للقضية الفلسطينية وبل للشرعية الدولية والقانون الدولي على حد سواء، فجعلها في دائرة الاهتمام العالمي كقضية مركزية بعد وقوف معظم دول وشعوب العالم معها، مما سيمنح ذلك قوة للمفاوض الفلسطيني للتفاوض متسلحاً بالعدل والحقوق والشرعية الدولية، ويعزز ضرورة انصياع اسرائيل لإرادة المجتمع الدولي. كما أن الاعلان والاعتراف الرسمي بفلسطين بأنها دولة وليست سلطة فلسطينية ،سيؤدي الى رفع مستوى تمثيلها الدبلوماسي بينها وبين دول العالم أجمع، وهو خطوة قانونية ستنقل القضية من مجرد اراضي متنازع عليها إلى أراضي دولة محتلة تتحدى بها خطوات وإجراءات الاحتلال ضد الاراضي الفلسطينية وهو قرار سيتيح للفلسطينيين تفعيل الانضمام الى المنظمات والهيئات والمؤسسات والاتفاقيات والمعاهدات الدولية للمطالبة بحقوقهم المسلوبة والمغتصبة ورفع دعاوي ضد أي عدوان أو اعتداء عليهم وعلى حقوقهم، أو عند خرق إسرائيل لأية اتفاقيات أو بروتوكولات أو مواثيق الدولية مما سيحد من التمدد الاسرائيلي وتغوله الارض والشعب الفلسطيني ومقدساته بلا اي رادع، "وعلى رأسها وأولوياتها الحقوق الفلسطينية بمدينة القدس" وما يجري بها من انتهاكات لتهويدها بعزلها وحصارها وتزييف تاريخها .. الخ.
ولا شك بان صدور هذا قرار الذي يتمنى فيه الفلسطينيين تحقيق أهدافهم وحقوقهم يتطلب لإنجاحه استثمار فلسطيني عقلاني، وترتيبات وإجراءات عملية محلية وإقليمية ودولية، بالقول والعمل، وبمسؤولية دبلوماسية وإعلامية حتى لا يبقى القرار حبراً على ورق، ويصبح هباء منثورا. فالقرار وحده لا يكفي ولا يعول عليه كثيراً ولا ينبغي ان نبني عليه الأوهام والأحلام، بل لا بد من تحويله الى واقع ملموس على الارض، فمعظم أهل فلسطين لا يزالون تحت كابوس الاحتلال، وفي القطاع والشتات، لا يملكون الارادة السياسية والوطنية الحرة، كما لا زال جرح انقسامهم الداخلي نازفاً. وهو ليس القرار الأول الذي يصدر لصالح الحق الفلسطيني بالأمم المتحدة، إلا ان عدم الاستثمار الفلسطيني لمثله أضاع الفرص والاستفادة من مثل هذه القرارات التي ضاعت في غياهب النسيان، وتاهت في أدرج الأمم المتحدة من جهة، وللتعنت والصلف الاسرائيلي وممارسته القمعية ضد الشعب الفلسطيني من جهة اخرى.
لذا لم تقف الحكومة الاسرائيلية مكتوفة الايدي امام صدور هذا القرار، بل بدأت وشرعت منذ اليوم التالي للرد عليه باتخاذ اجراءات على الواقع فورية بحجز الاموال الضرائبية للسلطة والتضييق عليها وتهديداتها وابتزازها، وطرح عطاءات لآلاف الوحدات السكنية التي تستهدف توسيع الاستيطان في مدينة القدس ومحيطها، وما مشروع E1 الا دليل واضح الى ما تسعى اليه من عزل للقدس وفصل فلسطين الى شمال وجنوب"، وفرض دورياتها للحدود ما بينها وبين الكيان الفلسطيني، وتنفيذ اجراءات على الارض لتخلق واقعا يحول دون قيام دولة فلسطينية حقيقية قابلة للمياه ومتواصلة جغرافيا، كما انها ستعمل على تعطيل القرار وعدم تنفيذه بكل الاساليب، باتخاذ كافة الخطوات والعراقيل متحديه بذلك العالم بأسره، غير منصاعة لإرادة المجتمع الدولي والتوسع في الاستيطان على كافة مستوياته، كما انها ستهرول في تهويد القدس، واستكمال الجدار وزيادة الاعتقالات، وفرض واقع احادي الجانب بخطر منفردة تتوغل فيه اسرائيل على الارض والشعب الفلسطيني، وهل سيعطي المسئولين بالسلطة عند تفعيل تحرك الدولة المراقب الاولوية للقدس فتصبح "القدس أولاً" بدل من تأجيلها بحثها للإستفادة من التجارب السابقة، باعتبارها من الاستحقاقات الملحة للمشروع الوطني التي على رأسها أيضا المستوطنات فالاحتلال يسابق الزمن لتهويد القدس ومقدساتها وترحيل أهلها وهو ما لا يحتمل السكوت عنه او تأخيره.
وفي الختام لا بد من ايجاد رؤية ومنظومة سياسية واحدة عند السلطة الفلسطينية تعتمد على وحده الموقف الفلسطيني ووحدته ومصالحه فصائله حكومة وشعباً، كما لا بد من إعادة الهيكلية الفلسطينية ووضع استراتيجيات محددة الأهداف السياسية والقانونية والاقتصادية والمالية والاجتماعية لبناء دولة مدينة ديمقراطية باليات عمل وبرامج عمل واضحة. تعتمد على استرداد الحقوق الفلسطينية وعلى العمق العربي والإسلامي، وعلى الدول والشعوب الحرة المنادية للعدل والمساواة، ان إعادة الحقوق الفلسطينية صعب والطريق شاق أمام الفلسطينيون وهو طويل ومليء بالكثير من التحديدات الداخلية مع الذات، والخارجية مع اسرائيل والعالم بأسره لإثبات الذات ورفع السقف الفلسطيني والمطالبة وتحقيق إنهاء الاحتلال ونيل العضوية الكاملة وتجسيد دولة فلسطينية مستقلة بثوابتها الفلسطينية.