ظن كثيرون أن بوسع تحولات المنطقة العاصفة إطالة أمد تهميش قضية فلسطين، بل، وظن قادة إسرائيل والولايات المتحدة، وكل المتواطئين معهم، بأن تصفية هذه القضية، (باسم تسويتها)، باتت طوع البنان أو تكاد، لكن سرعان ما تبين أن هذا الظن مجرد وهْمٍ، ليس إلا، حيث عادت قضية فلسطين، إلى صدارة مشهد المنطقة والعالم، لا يعلو على صوتها صوت. وأكثر، فإن ثمة، (من حيث المبدأ)، نصريْن جديدين للشعب الفلسطيني المكافح وقضيته العادلة. الأول ميداني في غزة. والثاني دبلوماسي في هيئة الأمم. لكن، ولأن استعادة الأرض هو المعيار الأساس للانتصارات الحاسمة، فإن من المنطقي إدراج هذيْن النصريْن الفلسطينيين في منزلة النسبي من الانتصارات. إذ فقط باحتساب الاختلال الشامل في ميزان القوى، يكون إفشال العدوان على غزة نصراً؛ وفقط، باعتبار استعادة الأراضي المحتلة عام 1967 أدنى الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية، يكون انتزاع مكانة "دولة فلسطينية غير عضو" نصراً؛ وفقط، (وهنا الأهم)، بإنهاء الانقسام الداخلي العبثي، يتحول النصران، الميداني والدبلوماسي، إلى انتصار سياسي وطني، يمنع تبديدهما، أو التوظيف السياسي الفئوي لهما، والتنغيص، بالتالي، على فرحة، وعلى آمال، الشعب الذي صنعهما بوحدته الميدانية، ومقاومته الباسلة، وصموده الأسطوري، وتضحياته الجسيمة. ماذا يعني هذا الكلام؟
يعني أن هذيْن النصريْن هما، (من دون تضخيم أو تقزيم)، خطوتان في مشوار نضال طويل، دون تحقيق أهدافه تضحيات جسيمة، بل، ويمكن أن يحصدا في السياسة عكس مُراد، وآمال، وطموحات، صانعهما، (الشعب)، إن هما لم يُتوجا بإنهاء الانقسام المُدمِّر، وبناء وحدة سياسية على أساس برنامج سياسي وطني ينهي المرحلة الانتقالية لتعاقد أوسلو، ويكفل تفعيل، واستنهاض، الدعم العربي، الرسمي والشعبي، والمزيد من الدعم الدولي لإحداث تغيير فعلي في ميزان القوى، يجعل استعادة الأراضي المحتلة عام 1967 في متناول اليد، وهو ما لا يكون إلا عندما يصبح الاحتلال مشروعاً خاسراً، سياسياً وبشرياً واقتصادياً.
عليه، وبما أن المعيار الأساسي للحكم على المستقبل المنظور لهذيْن الانتصارين، إنما يتمثل في ما سيقودان إليه، وما يُبنى عليهما، سياسياً، فإن من المنطقي القول: لئن كان مهماً، ما رافق هذان الانتصاران، وما تلاهما، من أجواء إيجابية بين طرفيْ الانقسام الفلسطيني، فإن الأكثر أهمية، إنما يتمثل في استخلاص قيادتا منظمة التحرير و"حماس" أن عدم الاتفاق على برنامج سياسي بديل لبرنامج أوسلو هو، أساساً، سبب فشل كل حواراتهما، واتفاقاتهما، وتفاهماتهما، السابقة، في بلوغ الوحدة المنشودة؛ وفي قناعتهما أن كيفية إنجاز الوحدة بعد هذين النصرين، هي، (بالضرورة)، كيفية مختلفة عن الكيفية التي سبقتهما؛ وفي استعدادهما الفعلي لتطوير اتفاقاتهما السابقة بما يستجيب لتحديات، واستحقاقات الرد السياسي الإسرائيلي، بدءاً بخرق "تفاهمات وقف إطلاق النار" في غزة، مروراً بتعليق تحويل المستحقات المالية الفلسطينية ، وصولاً (وهنا الأهم)، إلى تصعيد سياسة التوسع، والإعلان عن العزم على بناء 3000 وحدة استيطانية في (منطقة E1) الواقعة بين مستوطنة معاليه أدوميم والقدس، التي من شأن تنفيذ مخطط الاستيطان فيها أن يفصل القدس تماماً عن الضفة، وأن يشطر الأخيرة إلى شطرين لا تواصل بينهما، وأن يجعل إقامة دولة فلسطينية مستقلة وسيادية على الأراضي المحتلة عام 1967، أمراً صعباً، إن لم يكن مستحيلاً.
ويزيد ثِقلَ هذه التحديات والاستحقاقات طبيعة الرد الأمريكي على غطرسة، وجنون، رد الفعل الإسرائيلي على نيل فلسطين صفة "دولة غير عضو"، حيث جاء باهتاً، ونافياً لكل أمل في ممارسة الولايات المتحدة ضغطا جدياً على قادة إسرائيل، ذلك رغم تخفيف حدة خطاب الرئيس الفلسطيني في هيئة الأمم، وتأكيداته على: "أننا لا نطالب بنزع الشرعية عن إسرائيل"، و"أننا مستعدون للعودة إلى المفاوضات"، و"أننا لا ننوي اللجوء إلى محكمة الجنايات الدولية إلا إذا أعتدي علينا"، وكأنه ليس عدواناً استمرار الاحتلال، وتعميقه بعمليات الاستيطان والتهويد والتطهير العرقي وبناء جدران العزل والتمزيق، وحمايته بكل أشكال العدوان العسكري، والحصار الاقتصادي، والقتل والجرح والاعتقال وتدمير البيوت والبنى التحتية والمزروعات ...الخ
إنها التحديات والاستحقاقات المفروضة ذاتها التي ما انفك الشعب الفلسطيني يواجهها منذ إعلان قيام دولة إسرائيل على مساحة تفوق المساحة المخصصة لها في قرار الدولي 181، (تقسيم فلسطين)، حيث صار جلياً، خلافاً لظن كثيرين، أن قادة إسرائيل، على اختلاف ألوانهم الحزبية الصهيونية، يرفضون فكرة التقسيم أساساً لتسوية الصراع، وأنهم ماضون في تنفيذ جوهر مخططهم الصهيوني، بشعاره الأيديولوجي الناظم: "فلسطين ملْك للشعب اليهودي". وتلك حقائق أكدها، وبدد الظن بغيرها، احتلال ما تبقى من أرض فلسطين، (وأجزاء من أراضي دول عربية متاخمة)، في العام 1967، وضم القدس في العام 1968، والعمل باستماتة على فصلها عن غزة والضفة التي تتعرض لعملية قضم فعلي بمخطط تهويدي واستيطاني مبرمج ما انفك جارياً على قدم وساق منذ احتلالها وحتى يوم الناس هذا.
قصارى القول: بهذه التحديات والاستحقاقات المفروضة يتحدد مضمون البرنامج السياسي النضالي الفلسطيني المطلوب لضمان الاستثمار السياسي الوطني للنصرين النسبيين، الميداني في غزة، والدبلوماسي في هيئة الأمم، وتحويلهما إلى انتصار سياسي وطني، مفتاحه الفعلي، وشرطه الأساس، المسارعة إلى الإنهاء الفعلي للانقسام الداخلي، وتجاوز شروط "المرحلة الانتقالية" والتزاماتها السياسية والأمنية والاقتصادية.