2012-12-08

الأصل في الأزمة المصرية الراهنة


بقلم: زياد ابوشاويش

يترك كثير من الكتاب والمحللين أصل المشكلة المتفاقمة في مصر ويمسكوا بظواهر أنتجتها هذه الأزمة، وحتى رئيس الجمهورية السيد محمد مرسي يشارك هؤلاء في هذا حين يحيل كل ظواهر العنف التي برزت على سطح الأحداث الجارية بمصر لطرف ثالث يسميه الفلول.وقد لاحظنا أن هؤلاء يستغربون اصطفاف قوى كانت بالأمس في مواجهة تاريخية مع بعضها البعض ويصطفون اليوم في مواجهة النظام المصري في نسخته الإخوانية الواضحة. وعلى سبيل المثال يقول أكثر من كاتب ومحلل ما الذي يجمع الناصري واليساري بفلول النظام السابق وبالدكتور البرادعي مثلاً؟ والحديث بهذا المنطق يمكن أن يقود لاستفسارات كثيرة تتعلق بقيام ثورة يناير بحد ذاتها وكيف جرى قبول انضمام الإخوان المسلمين لها بل وكيف استطاعوا ومن خلال قوى لم تكن على وفاق مع الإخوان في أي يوم كبعض الناصريين مثلاً أن يتسلموا السلطة في مصر ومن خلال صناديق الاقتراع؟ ولو راجعنا أرقام النتائج للجولات الانتخابية لأدركنا أن كثيراً من الشخصيات والقوى المناوئة من حيث المبدأ لحركة الإخوان المسلمين والمتناقضة فكرياً معها منحت السيد مرسي أصواتها وبالتالي أعطت فرصة لم يحلم بها الإخوان على مدار الثمانين عاماً الماضية.

إذن هناك ظرف موضوعي وربما طارئ يجعل التقاء الخصوم السابقين أمراً عادياً خاصة إن كان في مواجهة خصم قوي وجميع خصومه يتناقضون معه من أكثر من زاوية.

اليوم نجد معظم القوى والحركات والشخصيات غير الدينية قد التقت حول هدف واحد وفي مواجهة رئيس الدولة يتلخص في رفض الإعلان الدستوري وفي تحديد موعد للاستفتاء على الدستور قبل الاتفاق عليه من جانب كل ممثلي الشعب المصري الأمر الذي يعني موضوعياً أن تحالف كل هؤلاء لتحقيق هذين الهدفين لا يعني اللقاء في جبهة وطنية واحدة ذات برنامج واحد وقيادة واحدة الأمر الذي سيكون مدعاة للاستغراب لو وقع، أما والأمر يتعلق بأمر محدد ينظر إليه من زاوية إخلاله بكل قيم الديمقراطية والشرعية القانونية والدستورية فهذا شيء منطقي وطبيعي ولا غرابة فيه. أما اعتبار الفلول الذين يجري تصنيفهم خارج الصف الوطني أعداء لا يمكن الالتقاء معهم في هذه النقطة أو تلك فهذا أمر خارج منطق الحدث المصري ولا ينسجم مع الواقع الذي أظهر تأييداً يصل إلى نصف المجتمع المصري للسيد أحمد شفيق مرشح الفلول، رغم أن السبب قد يرجع لكون السيد مرسي هو المرشح المنافس على وجه الخصوص، وهذا يعزز وجهة نظرنا في التقاء الناس موضوعياً في مصر حول هذا العنوان أو ذاك.

إن الحديث عن ظواهر وتجليات المشكلة وأبعادها الوطنية والقومية وترك الأصل في كل ما وقع ويقع الآن هو نوع من الهروب من المعالجة الجدية لها وللتهرب من استحقاقات لابد أن نهتم بها إن أردنا لمصر الخير والخلاص من ظواهر الحكم السابق وسلطته الفرعونية وترسيخ مفاهيم وقيم جديدة للعلاقة بين الحاكم والمحكوم في مصر باعتبارها قاطرة الوطن العربي للإصلاح والتغيير الثوري الذي ترقبناه سنوات طويلة منذ غياب الزعيم العربي جمال عبد الناصر. وحتى نؤسس لنقاش موضوعي ونافع نؤكد أن الأزمة وإن كانت نذرها تتجمع قبل الإعلان الدستوري للرئيس وحل اللجنة أو المحكمة الدستورية العليا إلا أن الانفجار والانشقاق جرى بعد هذا الإعلان وهذا الحل، بل يمكن القول أن 22/ 11 أي اليوم الذي أعلن فيه الرئيس المصري نفسه حاكماً بأمر الله بتحصين قراراته وكلامه من أي مراجعة أو مساءلة هو تاريخ بدء الأزمة الحقيقية في مصر العربية واتخاذها شكلا عنيفاً وانقسام المجتمع أفقياً ورأسياً وبالتالي أدخل السيد مرسي بلاده في مأزق حرج زاد من صعوبته ما يرشح من أخبار تقول بأن المرشد العام للجماعة طلب من مرسي أو أمره بعدم التراجع عن الإعلان و حل الدستورية العليا أو تأجيل الانتخابات، وجاء خطاب مرسي أمس الخميس في وقت متأخر من الليل ليحبط الجميع ويؤكد شكوك الناس في ولاء الرجل ما إن كان لمصر وللقسم الذي أداه أكثر من مرة أو لجماعة الإخوان وقسمهم المعروف.

إن ما زاد الحالة تفاقماً وجود ملاحظات جدية على مسودة الدستور الذي سيجري عليه الاستفتاء وانسحاب معظم القوى الممثلة للمجتمع المصري من اللجنة الدستورية التي يشكل الإسلاميون فيها أغلبية واضحة ومقررة. ربما لم يستوعب الإخوان المسلمون والسلفيون أن إقرار الدستور ليس كإقرار القوانين التي تحتاج لأغلبية النصف زائد واحد بل بإجماع وطني أو توافق عام تبنى عليه الدول وتتوحد حوله الأمم والجماعات لتشكيل دولتها.

ما الذي يمنع الرئيس مرسي من تجميد إعلانه الدستوري؟ وما الذي يمنع من تأجيل التصويت على الدستور قبل تعديل المواد التي لا وفاق حولها؟ الذي يمنع بتقديرنا هو الفكر والأسلوب الذي يعمل به الإخوان المسلمون وعدم رؤيتهم لمصر كدولة مدنية يمكن أن يجري تداول السلطة فيها وأن يحتكم رئيسها للمؤسسات ومراكز البحث والتفكير، وأن مسألة الشورى لابد أن تكون بين الجماعة الإسلامية فقط بدليل أن معظم مستشاري الرئيس استقالوا وأن غيرهم انتقدوا القرارات والإعلان وأفادوا أنهم لم يطلوا عليها قبل إعلانها.

أصل المشكلة في خطوات الرئيس مرسي التي يعتقد هو وجماعته أنها تثبت حكمهم وأنهم إن لم يفعلوا فقد تعود الأيام القاسية حين كانوا في السجون والمعتقلات وهذا مفهوم ومنطقي لكن الأمر أكبر من مخاوفهم وطريقة عملهم فهو يرتبط بمستقبل بلد ليس كله مسلمون ولا يمكن احتساب كل الشعب متديناً، كما يوجد مسيحيون لهم ذات الحقوق والمكانة. ولابد من عودة مرسي عن قراراته والوصول لحل وسط يرضي الشعب المصري قبل إرضاء قيادات الإخوان أو غيرهم.

* كاتب فلسطيني يقيم في دمشق. - Zead51@hotmail.com