2012-12-05

دولة فلسطين في لاهاي (الجنايات الدولية)..!!


بقلم: زهير حمدالله زيد

تحقق الإعتراف بدولة فلسطين، فتحددت الحدود الجغرافية والذهنية، وبات الحلم على شفا التحول لحقيقة، هي خطوات معدودة ويصل شعب فلسطين إلى حيث أراد، دولة على طريق الحرية، يجتمع فيها الشعب، ويلتم بها الشمل، نقبر بها كل المنافي والشتات، ونحيا بأمل للقادم من أيامنا ومستقبلنا، نحتاج لبلوغ الهدف حركة متواصلة ومتكاملة، يكون بها أولاً إنسجام فلسطيني فلسطيني، يطال كل تفاصيل العمل السياسي المستقبلي، بإيقاع متناسق يريح المتلقي ليس فقط خارج إطار الشارع الفلسطيني، عربياً، إسلامياً ودولياً، بل أيضاً يعزز من الأمل لدى الفلسطينيون أنفسهم، ويبعدهم عن كل ما يسبب الإحباط وفقدان البوصلة.

تكثر الدعوات للتوجه لمحكمة الجنايات الدولية، والتي توضح إختصاصها في المادة الخامسة من نظامها، وتأتي المواد 6-8 لتفسير ذلك، ويلاحظ أن كل ما يتم تناوله في هذه المواد ينطبق تماماً على الحالة الفلسطينية الواقعة تحت الإحتلال، والتي يمارس عليها الجرائم في كل مجالات الإختصاص التي إحتواها النظام الأساسي للمحكمة وما أُصطلح على تسميته بنظام روما، وهذه المحكمة الدولية أخذت لأول مره في تاريخ القانون الدولي صلاحيات ملاحقة الأفراد، وتحميلهم المسؤولية عن الجرائم التي يقومون بها، حيث لم يعد بالإمكان التهرب من العقاب تحت حجج وذرائع تنفيذ الأوامر أو بحماية الدولة نفسها كونها جسم قانوني مستقل لا يسمح بالتدخل في شؤونه الداخلية، حيث باتت الدولة نفسها تحت طائلة القانون وكذلك أفرادها، لكن لا يجوز للمحكمة أن تحاكم شخص قامت دولته بمحاكمته على نفس التهمه، لهذا السبب تحاول إسرائيل أحياناً القيام ببعض المحاكمات، حين تحاكم بعض جنودها أو ضباطها وتصدر بحقهم أحكام مخففه، ظناً منها أنها بذلك تحميهم من محاكمات مستقبلية.

دولة فلسطين باتت مؤهلة الآن لتكون طرفاً بتوقيعها على النظام الأساسي للمحكمة، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل نحن مستعدين لذلك؟ وكيف يمكننا أن نتلافى مسألة تحول المحكمة لسيف مسلط على رقاب أبنائنا؟ الحقيقة أن كثير من أساليب وأدوات نضالنا ستكون تحت طائلة الملاحقه القانونية لمحكمة لاهاي، فلن يكون بمقدورنا إطلاق  الصواريخ على الإحتلال ومدنه، وحتماً ستكون أي عملية إستشهادية أو تفجيرية ضد المحتلين، خاصة تلك التي لا تستهدف الجيش الإسرائيلي، والجيش فقط في حدود الجرائم التي تلاحقها المحكمة، ولن يكون مقبولاً أبداً لا لدى المحكمة وفق نظامها، ولا حتى لدى الدول التي إعترفت بفلسطين، قبول التفسيرات الفلسطينية المحقه، والتي تعتبر المجتمع الإسرائيلي كمجتمع متعسكر بمجمله، كونه كله مجند ويعتبر إحتياط للجيش الإسرائيلي حتى بممتلكاتهم الشخصية، ولو قدمنا كل الدلائل التي تدعم تفسيرنا ذلك، وبإستخدام ما ينص عليه القانون الإسرائيلي، وبالتحديد ما يخص حالة الطوارىء والحرب.

فلسطين فعلا بحاجة لأن تكون طرفاً أصيلاً في هذه الهيئة الدولية، وعليها أن تتحمل مسؤولياتها القانونية المتعلقه بذلك، خاصة في ظل الظروف المحيطة عربياً وإسلامياً وحتى دولياً، فغزة لم ولن تكون بحاجة، للأقوال والمال المشروط، حرب التحرير الحقيقية بحاجة لأفعال عربية أكثر بكثير مما قيل ومما تم فعله حتى الآن من قبل العرب وغيرهم من المناصرين والحلفاء لفلسطين، والحقيقة أن الظروف أبداً غير مهيئه لمثل هذا التوجه، والنضال الفلسطيني اليتيم والمقتصر على القدرات الفلسطينية الوحيدة ساهم فقط في إبقاء القضية الفلسطينية على قيد الحياة وعزز من تحقيق مقومات قوة سياسية على أساس المطالبة الحية بالحقوق، وتاريخ النضال الفلسطيني به من الشواهد على ذلك الكثير، فلا يوجد فصيل فلسطيني تحتوي أدبياته ومبادئه وأنظمته ما ينص فيه على أن تحرير فلسطين مهمة فلسطينية وحيده قابله للتحقيق دون مشاركة ومساندة عربية وإسلامية، فنحن رأس حربة تقاتل منذ زمن طويل دون جسم دافع يزيد من قوتها وفعلها، وكثيراً ما كان رأس حربتنا يواجه دروع إخوة حموا عدونا.

الظروف فعلاً مهيئة لفلسطين، لكن هل نحن متوافقين ومتفقين؟ هل نستطيع الإتفاق فيما بيننا على برنامج وطني شامل يحمينا من عواقب هذا التوجه؟ تحصين أنفسنا ضرورة ملحه، حتى لا نقع كلنا أو جزء منا في الحفرة التي نريد أن نوقع بها عدونا، ونستطيع فعل ذلك بنجاح، خاصة إذا ما أحسنا التعاطي مع الواقع كما هو، حيث يمكن أن يكون الإستيطان أول القضايا التي تقدم بها الشكوى ضد المحتلين، خاصة وأن هناك تحدي إسرائيلي واضح للإرادة الدولية التي باتت تعلي من سقف مواجهتها للإستيطان، فهناك عدد لا بأس به من الدول الأوروبية وغيرها قد إستدعت السفير الإسرائيلي وإحتجت بشدة على الإستيطان في المنطقه المسماه E1، والتي تربط بين رام الله وبيت لحم، هذا طبعاً غير كافي، والمطلوب هو إتخاذ إجراءات عقابية توقف الزحف الإستيطاني بأسره، لكن بات ممكناً الآن ومع بداية عمل أول بلدوزر إسرائيلي على الأرض أن يكون توجهنا للمحكمة في لاهاي، وعلى العالم أن يعرف أننا أبداً لن نقبل بإستمرار الحال على ما هو عليه، لأن المطلوب هو وضع حد ونهاية للإحتلال وليس فقط الإدانه، وإلا فإن دولة فلسطين ستكون في لاهاي، وهي يجب أن تكون هناك في كل الأحوال، قبل التحرير او بعد التحرير.

* أسير محرر ومستشار أول في سفارة فلسطين بالهند. - zuhairthth@gmail.com