الشعور لدى الفلسطينيين بمختلف مستوياتهم ان فرصة انهاء الانقسام هذه المرة كبيرة، بل كبيرة جدا، وان هناك متغيرات حدثت خلال الآونة الاخيرة تسهل على "فتح" و"حماس" بشكل خاص الاقدام على خطوات لم يكونوا قادرين على اتخاذها في الماضي.
خلال وجودي في غزة في الآونة الاخيرة رأيت بأم عيني التغيير في لهجة الناس عندما يتحدثون عن بعضهم البعض، باستثناء بعض الاصوات التي غردت خارج السرب ولم يستمع لها احد. الترجمة العملية والمباشرة لهذا التغيير تجسد في دعم "حماس" لخطوة الرئيس عباس ومن ثم ما شهدناه من مسيرات حاشدة عندما خرجت غزة لتعبر عن تآييدها لخطوة الرئيس وفي مقدمتهم ابناء "فتح" الذين خرجوا الى الشوارع حاملين الاعلام فلسطينية والرايات الفتحاوية ليحتفلوا بهذا الانجاز السياسي الكبير.
قبل ذلك، في الضفة الغربية وبعكس ما حدث في عدوان 2008، عبر الناس عن مشاعر الغضب والتعاطف، والاهم من كل ذلك مشاعر العز والافتخار بغزة واهلها. "حماس" تحركت بحرية والرايات الخضراء كانت ترفرف في كل مكان، ليس فقط لم يعترضهم احد بل شارك الجميع صفا واحدا في مسيرات الغضب والتضامن مع اهل غزة. الدم الذي سال غزيرا ورد فصائل المقاومة حرك مشاعر كانت متكلسة وكسر حواجز نفسية كان هناك من يعتقد ان ليس بالامكان اجتيازها.
هناك خطوات ايجابية حدثت على الارض، اهمها قرار الحكومة المقالة في غزة النية عن الافراج عن ابناء "فتح" الذين اعتقلوا نتيجة الانقسام، وكذلك عودة الكوادر التي اضطرت لمغادرة القطاع. في نفس الوقت اعلن الدكتور نبيل شعث ان الرئيس عباس قرر الافراج عن كافة معتقلي "حماس" من سجون السلطة. صحيح حتى الآن لم يفرج عن معتقلي "فتح" من سجون "حماس" حيث تم تشكيل لجنة لهذا الغرض، وصحيح انه لم يتم تنفيذ قرار الرئيس حتى الآن، وصحيح انه عاد امس اثنا عشر كادرا فقط من كوادر "فتح" العشرين الذين وافقت عليهم "حماس" قبل العدوان، لكن هناك شعورا ان النوايا هذه المرة اكثر صدقا.
لكي يبنى على ما تم اتخاذه من خطوات ايجابية ولكي لا تتحول الى سحابة صيف عابرة بل واقع جديد يريدة الشعب الفلسطيني ان يكون، هناك اختبارات عملية تواجه الفصائل بشكل عام، و"فتح" و"حماس" بشكل خاص.
الاختبار الاول هو اختبار الانطلاقات. "حماس" بدأت بالتجهيز لاحتفالات انطلاقتها التي ستكون خلال منتصف هذا الشهر. طوال السنوات الماضية احتفلت فقط في غزة ولم يسمح لها بالاحتفال في محافظات الضفة. هل هذا العام سيكون هناك تغيير وستستطيع "حماس" ان تحتفل بانطلاقاتها في كافة محافظات الوطن؟!
كذلك الحال بالنسبة لحركة "فتح" التي ستحتفل بانطلاقتها نهاية هذا الشهر. طوال الفترة الماضية لم تسمح "حماس" لابناء "فتح" احياء ذكرى الانطلاقة في غزة، احد التبريرات هو التعامل بالمثل، طالما "حماس" لا تحتفل في الضفة "فتح" لن تحتفل في غزة. اذا كان هناك تغيير متبادل ابشروا خيرا، وان لم يحتفلوا اعرفوا ان الوضع لم يتغير وان ما يقال عن المصالحة وضرورة انهاء الانقسام ليس اكثر من مجرد ضريبة كلام. المطلوب اليوم ليس غدا ان يتم الاتفاق على ان احياء ذكرى الانطلاقات ستكون في كل محافظات الوطن وان "فتح" ستشارك في احتفالات انطلاقة "حماس"، و"حماس" ستشارك في احتفالات انطلاقة "فتح".
الاختبار الثاني هو اعادة فتح المؤسسات التي اغلقت وتم مصادرة محتوياتها في كل من غزة والضفة الغربية. اهم هذه المؤسسسات هي تلك التي تتعلق بالاسرى. "حماس" وبعد سيطرتها على غزة صادرت واغلقت جمعية الاسرى والمحررين (حسام) وكذلك العشرات من مؤسسات "فتح" بغض النظر عن الذريعة التي استخدمت، وفي المقابل العشرات من المؤسسسات التابعة لـ"حماس" في الضفة تم اغلاقها ومصادرة محتوياتها بما في ذلك مؤسسات تعني بشؤون الاسرى مثل مؤسسة "نفحة". الاختبار لمدى المصداقية هو في الاسراع بأعادة فتح هذه المؤسسات.
الاختبار الثالث هو بالاسراع في الافراج عن المعتقلين والسماح بعودة المبعدين. هذا الامر لا يحتاج الى لجان قانونية وغير ذلك، يحتاج الى نوايا صادقة وصدر واسع ومسؤولية وطنية. يجب ان لا يكون هناك مماطلة ومراوغة كما حدث في السابق. رفع الظلم عن انسان يجب ان لا يكون مرتبط بأي شيء آخر، والافراج عن اسير يجب ان لا يكون مرتبط بالتبادلية، هذا مناسب للاعداء ولكن ليس لابناء الشعب الواحد. عودة مئات المبعدين يجب ان لا يكون مرتبط بأجتماعات في القاهرة او الدوحة او اي مكان آخر، بل مرتبط بتوجه اخوي صادق لان الفلسطيني ليس بحاجة الى مزيد من الشتات واللجوء.
قد يقول البعض ان ما ذكر اعلاه من خطوات لبناء الثقة هي نتاج لقضايا اكثر عمقا وهي السبب الرئيسي في الانقسام. هذا صحيح ولكن الاقدام على خطوات لبناء الثقة بين الاطراف لا يتناقض مع الجهود التي يجب ان تبذل لمعالجة الملفات الاكثر تعقيدا مثل الحكومة والانتخابات والمنظمة والمصالحة المجتمعية التي بدونها لن تكون هناك مصالحة حقيقية.