على مدى عقود عشتها في مواكبة حال الأمّة، تكوّن لدي انطباع أن في الأمّة حزباً عابراً لكل الأحزاب والأقطار والإيدولوجيات والأفكار، يمكن أن نطلق عليه اسم "حزب التشكيك العربي".
فأعضاء هذا الحزب، وجلّهم من أصحاب النية الطيبة سريعي التأثر بما يوجهها أصحاب الأجندات الخطرة، يرون في أي نصر أو إنجاز تحققه الأمّة "صفقة" مع أعدائها، فيما لا يجدون تعليقاً على الهزائم والنكسات أفضل من كلمة "ألم نقل لكم أننا أمّة لا تستحق الحياة".
هذا الحزب لا هيكلية تنظيمية له، ولا حلقات أو فروع أو شعب، ومع ذلك تجده منتشراً في كل أصقاع الوطن الكبير، في تشكيكه لهيب نار تنتشر كالهشيم، مدده نقص متأصل في الثقة بالنفس أو الشعب، ومواده أحكام مسبّقة، وأراء مرتجلة، وسطحية مبتذلة، وادعاء مستفز، وغرور يتعاظم مع الأيام خصوصاً إذا بات صاحبه ذا جاه دون جدارة، أو ذا مال دون استحقاق...
وفي الأسابيع الأخيرة، رأينا هذا الحزب في أوج نشاطه، فالنصر في غزّة لا يعدو عن صفقة أجرتها حماس مع حلفائها العرب والإقليميين برعاية أمريكية تمهيداً لإعلان دولة في القطاع، أو في أحسن الأحوال لإعادة الإدارة المصرية، وقد باتت إدارة "إخوانية"، إلى القطاع بحكومته "الإخوانية" أيضاً، وينسى هؤلاء، دون شك، الشهداء الذين قدموا أرواحهم، وكذلك الجرحى والأسرى، ناهيك بالمجاهدين الذين أبلوا بلاءً حسناً، كما ينسون أيضاً أن شعب فلسطين الذي هزم على مدى عقود كل مشاريع تصفية قضيته وكان أعزلاً من السلاح، فكيف اليوم وهو مدجج بالسلاح، ومتمسك بكل حقوقه وبكل ثوابت قضيته العادلة.
ومع الإنجاز الدبلوماسي الأخير في الأمم المتحدة، الذي لا نبالغ في حجمه على الإطلاق، ولا نعتبره بداية المطاف في حياة الشعب الفلسطيني ولا نهايته بالتأكيد، بل هو خطوة في الاتجاه الصحيح، لاسيّما إذا استكملت بخطوات على طريق المصالحة والمقاومة والمشاركة المتوازنة بين كل مكونات الشعب الفلسطيني في إدارة الصراع، سمعنا أصواتاً لم تر فيما جرى أكثر من اعتراف بدولة العدو، وتنازل عن حقوق فلسطيني الأرض المغتصبة عام 1948، كما عن حقوق أهل الشتات في العودة، وقد تناسى أهل التشكيك أيضاً فرحة الشعب الفلسطيني وهو يرى ثلثي دول العالم يصوتون لقضيته، وكما يرى فلسطين تعود مرة أخرى لتتبوأ مكانة مميّزة في الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة، ولتنتزع لشعب فلسطين حقاً في ملاحقة مجرمي الحرب الصهاينة أمام العدالة الدولية، وهو حقّ إذا امتنعت اليوم حكومة عن استخدامه، فستأتي حتماً غداً حكومة أخرى يجبرها الإجرام الصهيوني المستمر على استخدامه.
وبالمناسبة، كم كانت مضحكة تعليقات أحد كبار المسؤولين الصهاينة "بأن الدولة لا تقوم في الأمم المتحدة"، متناسياً أن ما يسمى "بدولته المصطنعة" نفسها جاءت بقرار دولي سرعان ما التفت عليه، وتجاوزته، وقضمت أراضٍ فلسطينية شاسعة لم يمنحها إياها قرار التقسيم.
وإذا كان الحذر ضرورياً لتحصين انتصاراتنا من محاولات الأعداء لإجهاضها، ولمحاصرة النكسات منعاً لتفشي أثارها، فإن التشكيك ضرر كبير لأن يفقدنا القدرة على الإرتقاء من النصر الجزئي إلى النصر الشامل، كما يمنعنا من تحويل نكساتنا إلى دروس نتعلم منها.
الحذر هو ابن الحكمة، فيما التشكيك هو وليد اليأس، الحذر هو درع التفاؤل، أما التشكيك فتربته التشاؤم، الحذر هو سمة القراءة الموضوعية للأحداث، أما التشكيك فهو النتيجة الطبيعية لفقدان الثقة بالأمة.
كان الراحل الكبير شفيق الحوت، وهو الحذِر إلى أعلى الدرجات، يعلّق ساخراً على بعض المشككين بالقول: "فليحيا التحليل ولتسقط الأمّة"، أي أنهم يتمنون أن تهزم أمتهم لكي يثبتوا أن تحليلهم كان صحيحاً.
والمآساة في كل هذا إننا لا نرى انتصاراتنا إلاّ في وجوه أعدائنا، ولا نستمد من هزائمنا الدروس الضرورية لشحذ العزائم بدلاً من تحطيمها...
ولا أنسى تعليقاً قاله يوماً النائب البريطاني جورج غالاواي لمسؤول لبناني بارز بعد حرب تموز، وقد بدا على وجه المسؤول علامات حزن وإحباط رافضاً الاعتراف بأن نصراً قد حققته المقاومة اللبنانية على العدو.
قال غالاواي يومها: ""لقد عرفت في حياتي مسؤولين عرباً كثيرين يحولون الهزائم إلى انتصارات، واليوم رأيت مسؤولاً عربياً انتصر شعبه، ولكنه مصرّ على أن بلده مهزوم".