2012-12-02

من اجل البناء على خطوة الاعتراف بالدولة


بقلم: محسن أبو رمضان

لا شك ان الفلسطينيين جميعاً وبتفاوت نسبي ابتهجوا جراء نجاح القرار الذي تقدم به الرئيس ابو مازن لنيل العضوية المراقبة لدولة فلسطين بالأمم المتحدة، خاصة بعد الحصول على تأييد 138 دولة ومعارضة 9 دول وامتناع 41 دولة عن التصويت.

لقد شكل القرار انتصاراً معنوياً لشعبنا عكس إرادة المجتمع الدولي المناهض للاحتلال والمناصر لعدالة القضية الوطنية لشعبنا، وبدأت اسرائيل والولايات المتحدة وكندا وبعض البلدان الصغيرة التي تقع بالمحيط الهادئ معزولة أمام هذه الإرادة العالمية الكاسحة، واستعادة فلسطين مكانتها بوصفها حركة تحرر وطني يسعى شعبها لنيل مكاناً تحت الشمس في إطار أهمية تصحيح الخطأ التاريخي الذي ارتكبته المنظومة الدولية حينما تقاعست عن تطبيق قرار التقسيم عام 48 إلى جانب التساهل تجاه الاحتلال وممارساته العدوانية من استيطان وحصار واعتقال وتشريد وتمييز عنصري.

من الواضح ان قرار الرئيس ابو مازن بالتوجه للأمم المتحدة جاء بعد ان وصلت المفاوضات المباشرة أو تحت الرعاية الأمريكية إلى طريق مسدود، حيث استمرار إسرائيل بتقويض ممكنات الدولة المستقلة سواءً عبر الاستمرار بالاستيطان وبناء جدار الفصل العنصري أو عبر تهويد القدس وحصار قطاع غزة وإقامة منظومة من المعازل والكنتونات بالضفة الغربية وبالتالي فقد قام بهذه الخطوة من اجل إعادة ملف القضية الفلسطينية إلى الأمم المتحدة كما كانت قبل اتفاق أوسلو الأمر الذي يتطلب قيام هذه المنظمة الدولية بمسؤولياتها تجاه إعادة الحق الفلسطيني بالاستناد إلى قرار الشرعية الدولية التي لم تكترث بها إسرائيل ضمن آليات الاحتلال والقوة والعنف تجاه شعبنا.

من الهام أن نفهم هذا الانجاز في إطار النضال السياسي والدبلوماسي الذي يجب ان يتكامل مع النضال الشعبي والجماهيري وكذلك مع النضال المسلح الذي سطرته المقاومة الباسلة في قطاع غزة ليتفاعل في لوحدة كفاحية واحة، علماً بأن صمود شعبنا في قطاع غزة ومقاومته التي فاقت كل التوقعات والتي تم استثمارها بصورة جيدة من الرئيس ابو مازن في خطابه بالأمم المتحدة، حيث سلط الضوء على جرائم الحرب الإسرائيلية التي استهدفت المدنيين وأشار على سبيل المثال إلى عائلة الدلو التي استشهد منها حوالي 11 فرد في عملية إبادة جماعية للعائلة، واستطاع ربط ذلك بعملية الإقصاء والتطهير العرقي الذي تم بحق شعبنا عام 48 من خلال تشريده وإقامة دولة إسرائيل على أنقاضه، فقد كانت غزة وصمودها ووحشية الاحتلال بحقها حاضرة بصورة واضحة في المشهد الخطابي الذي قدمه الرئيس ابو مازن بالأمم المتحدة.

رغم الوجهة الايجابية للخطاب إلى أن الرئيس قد فتح الباب موارباً لإعادة استئناف المفاوضات، حينما أشار أن هذه الخطوة ليست بديلاً عنها ويهدف إعادة إحيائها،كما أنه أشار إلى عدم التوجه إلى المحافل الدولية إلا بعد التشاور مع الأصدقاء والمجتمع الدولي في محاولة للاستجابة إلى ضغوطات بعض البلدان الأوروبية التي اشترطت التصويت بنعم او بعدم التوجه الفلسطيني إلى محكمة الجنايات الدولية من اجل مقاضاة قادة الحرب الإسرائيلية على جرائمهم الوحشية بحق شبعنا أمام هذه المحكمة وربما أيضا أمام محكمة لاهاي الدولية، حيث من الممكن محاكمة الإجراءات الإسرائيلية بالأراضي المحتلة بوصفها مخالفة للقانون الدولي وجريمة حرب مثل "الاستيطان" الذي يوصف بهذا الوصف وفق التعريف القانوني إلى جانب أهمية الملاحقة القانونية تجاه العديد من الانتهاكات بحق الأرض والمواطنين والمعتقلين وغير ذلك من انتهاكات وجرائم.

من الهام ان يتم صياغة خارطة طريق فلسطينية جديدة على ضوء هذا الاعتراف الكبير لدولة فلسطين بالأمم المتحدة كدولة غير عضو، حيث من الضروري أن تبدأ هذه الخارطة بانهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية وإعادة بناء "م.ت.ف" على أسس وطنية وديمقراطية وبالاستناد على وثيقة الوفاق الوطني والعمل على تشكيل حكومة وفاق وطني والبدء بالتحضير لانتخابات عامة على قاعدة قانون التمثيل النسبي، كما من الهام البدء في تنفيذ الخطوات النضالية المطلوبة لتحويل هذا الاعتراف إلى واقع سيادي على الارض من خلال تعزيز المقاومة الشعبية واستنهاض اوسع حملة للتضامن الشعبي الدولي والعمل على تثبيت عضوية فلسطين بالمنظمات والمحافل الدولية، وتفعيل تقرير غولدستون عام 2009 وقرار محكمة لاهاي الاستشاري بخصوص عدم شرعية جدار الفصل العنصري عام 2004، والسعي باتجاه أوسع حملة لمقاطعة اسرائيل وفرض العقوبات عليها وسحب الاستثمارات منها BDS بهدف عزلها عن المجتمع الدولي والتعامل معها كدولة احتلال استيطاني  وعنصري من الهام نبذها من الاسرة الدولية.

لقد صمدت غزة وسطرت درساً بالمقاومة المسلحة وانتفضت الضفة عن بكرة ابيها ليس فقط من اجل اسناد غزة ولكن من أجل مقاومة الاحتلال بأدوات المقاومة الشعبية الواسعة، وتقاطرت قوى التضامن الشعبي العربي والدولي إلى غزة والضفة من اجل التضامن مع كفاح شعبنا العادل واستنكاراً للاحتلال واعماله العدوانية، وتم استثمار ذلك اخيراً بنيل عضوية دولة فلسطين بالأمم المتحدة كدولة غير عضو الأمر الذي يؤكد ان مسار النضال وحدة يستطيع ان يحقق الانجاز بعد الانجاز كما يشير إلى الاستمرار في هذا المسار بأشكاله المختلفة يستطيع تحويل قرار الاعتراف من البعد الدبلوماسي والقانوني الدولي إلى البعد السيادي الممارس على الارض.

إن السعي باتجاه البناء على خطوة الاعتراف الدولي باشتقاق مسار سياسي جديد سيعزز الانجاز الذي تحقق بالأمم المتحدة وسيعمل على خلق التراكمات المطلوبة ضمن خطة وطنية لتحقيق الهدف الوطني اما العودة إلى دائرة المفاوضات فإنه سيشكل نكوصاً عن هذا الانجاز، لأن هذه الدائرة اكدت التجربة انها غير مجدية الأمر الذي يستلزم مغادرتها والسير وفق منهجية سياسية وطنية فلسطينية جديدة تستند لخيار المقاومة بأشكالها المختلفة السياسية والعسكرية والشعبية.

* كاتب وباحث فلسطيني يقيم في قطاع غزة. - acadgaza@p-i-s.com