2012-12-01

رؤية لأسبـاب العدوان على غـزة ونتائجه


بقلم: نبيل حمودة

لم يكد موعد الانتخابات الاسرائيلية يتحدد، حتى بدأت القيادات والأحزاب الاسرائيلية تسعى لتعزيز مواقفها ومواقعها لرفع اسهمها لكسب المزيد من الاصوات الانتخابية التي ستجري بعد شهرين، فكان إعلان الحرب وبريق العدوان على الشعب الفلسطيني اسرع واقصر وأسهل الطرق وأداة لتحقيق ذلك. فهم يعتبرون كسب اصوات الناخبين من اجل الفوز بالكراسي والبقاء في القيادة اكثر اولوية وأهمية من ايجاد حل او تسوية مع الفلسطينيين. فالجميع يعلم بأن التغيير في قيادات الدول لا يعني تبديل السياسات والاستراتيجيات الموضوعة من قبل مؤسسات ومراكز بحثية متخصصة لهذا الغرض، فالتبجح والتطرف السياسي لدى بعض القادة الاسرائيلين ليس سوى لعبة أدوار وهرطقة كلامية للناخبين الاسرائيلين.

لذا كان تصعيد العدوان على الشعب الفلسطيني توطئة لمعركة  الانتخابات الذي تم تبريرها بأسباب واهية عائمة، وأهداف ضبابية وهلامية، وسقوف متواضعة. ففي الضفة الغربية ضغطت الحكومة الاسرائيلية وهددت السلطة الفلسطينية بإلغاء إتفاق أوسلو، وبوقف تحويل اموال ضرائبها المستحقة، ولوحت بضم وتوسيع المستوطنات ومصادرة الاراضي  وتضييق الخناق عليها اذا ما اصر الرئيس محمود عباس بالتوجه للأمم المتحدة يوم 29/11/2012 للتصويت على طلب السلطة لرفع مكانة فلسطين لصفة دولة مراقب في الامم المتحدة.

وفي غزة قامت الحكومة الاسرائيلية باغتيال القائد الفلسطيني احمد الجعبري وبمحاولة القضاء على المنظومة الصاروخية وتدمير مخزونات الاسلحة فيها، وكسر شوكة "حماس" والقضاء عليها ان امكن، وهدم الأنفاق، لإضعاف جبهة غزة او حتى محاولة تجزئة الوطن، واخراج وفصل قطاع غزة عن فلسطين، ومن الصراع وإحالتها تحت الولاية والإدارة المصرية، بدعوى اعادة الردع وتحقيق الامن. بينما كانت الاهداف الاساسية من وراء ذلك تحقيق الانتصارات "التي لم تنجز" لكسب اصوات الناخبين والحصول على مزيد من التأييد  في الانتخابات خصوصاً بين المستوطنين واليمين المتطرف، فلا يمكن لأحد ان يوهم نفسه بأن القوة العسكرية وحدها ستنهي مشكلة غزة او تحل سلمياً شيئاً، ولا يمكن لاحد ان يتكهن في موعد نهايتها ونتائجها، بل ان مثل هذه الحروب والاعتداءات تفاقم الازمات، وتوتر وتزيد الاوضاع اشتعالاً.

إلا ان الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن، فلقد فاجأت غزة وأربكت الحكومة الاسرائيلية برد فعلها على العدوان الذي فاق التقديرات الاسرائيلية بتوسيع استهداف دائرة المدن الاسرائيلية وببطولة وصمود اهلها، وبسرعة خروج عشرات الالاف من فلسطيني الضفة وفي الشتات بمظاهرات تندد بالعدوان وتآزر غزة، وتدعوا للمصالحة الوطنية، وتنادي للتوحد وعدم الانقسام، وزيادة التلاحم الفلسطيني معتبرين ما حدث نصراً فلسطينياً لعدم قدرة اسرائيل على هزيمتهم والانتصار عليهم، فزاد ذلك من صمودهم وبطولتهم وصبرهم، وفي تصميم وإصرار الرئيس عباس بموقفه للذهاب للأمم المتحدة، لطلب قبول فلسطين دولة مراقب في الامم المتحدة دون شروط باعتبار ذلك حقاً مشروعاً وطنياً مدعوماً بمساندة شعبية واسعة الامرين اللذين يمثلان واخفاقين عسكرياً وسياسياً بديا واضحين في استقالة وزير الدفاع الاسرائيلي، وموافقة المم المتحدة على قبول عضوية فلسطين بصفة مراقب.

فهل كان في ذهن القيادة الاسرائيلية عند إعلانها الحرب والعدوان، التسابق الانتخابي وتحسين الوضع الأمني فقط. ام كان هنالك دوافع أخرى؟ فهناك من يرى بأنها كانت حرباً للهروب من الازمة الاقتصادية والاجتماعية التي بدأت تعصف بالمجتمع الاسرائيل ، ام هل كانت حربا لمعرفة كمية وعدد الصواريخ الموجودة فيها وما هو مداها؟ والعمل على تدميرها لإقناع المجتمع الاسرائيلي بالأمن والهدوء والقدرة على الانتصار، ام هل القصد منها إرباك السلطة الفلسطينية بهذه الحرب لضمان عدم تفرغها للعمل الدبلوماسي لنيل دولة مراقب، أو لتغطية فشل وتردد القيادة الاسرائيلية بالهجوم على ايران، باعتبارها حرباً بديلة عن حرب على ايران، مستغلة الاوضاع السيئة في سوريا. ام هل كان أحد أهدافها تحويل وقصر الاهتمام بالحرب على إيران باعتبارها التحدي الاستراتيجي لها..

وهل كانت إختباراً لمعرفة  المصري بعد ثورة الشعب المصري، وماهية ردود أفعال مصر بعد الثورة وانهيار حكم مبارك؟ ام هي اختياراً لمعرفة مواقف حكومات وشعوب دول الربيع العربي، ومدى التأثير الذي احرزته ثورات الربيع على الشعوب العربية وحكامها؟ أم هل كانت حربا لمعرفة موقف الرئيس باراك اوباما بعد بداية ولايته الثانية ومعرفة مدى الدعم الامريكي بعد اختلاف موقف الرئيس الامريكي مع نتنياهو، ام كانت اختباراً لمعرفة مواقف المنظمات والمؤسسات الدولية والدول الاوروبية ونتائج الحرب الحالية؟  وكيف سيكون موقفها في حالة الحرب على ايران أو أي حرب أخرى.

هل كانت هذه التساؤلات وغيرها او جزء منها في ذهن القيادة الاسرائيلية بإعلانها هذا العدوان؟ او سيتم  دراستها من قبل الباحثين الاسرائيلين عند تحليلهم لهذه الحرب ونتائجها وتداعياتها؟

وفي اتجاه وسياق اخر وبنظرة موضوعية لهذه الحرب وتحليل نتائجها فان الحرب وضعت العلاقات والاتفاقيات الفلسطينية/ الاسرائيلية على اعتاب مرحلة جديدة تستدعي فحص وتمحيص أثار هذا الانتصار على العدوان، واستثماره فلسطينياً بدون تهاون أو مبالغة حتى لا تحقق اسرائيل سياسياً  ما لم تستطع تحقيقه عسكرياً، وبواقعية تتناسب مع تنامي الشعور الفلسطيني بالعزة والنشوة والنصر، والآلام والعذابات التي يكابدونها من ويلات وأهوال هذا العدوان، وعواقبه الوخيمة، وآثاره النفسية السيئة.

لقد اعادت الحرب قضية فلسطين كقضية محورية والى أولويات مشهد الاحداث العربية، بعد الالتفاف الواسع والتضامن الفلسطيني حولها، وتنادي الشارع الفلسطيني وتلاحمه لدعوة الفصائل للمصالحة والتوحد . ولإنهاء الاحتلال وإيقاف التوسع في الاستيطان، وتهويد القدس، وتقرير المصير والاستقلال. والتي تؤكد بان لا امن ولا سلام طالما استمر العدوان والاحتلال الاسرائيلي، كما ظهر ذلك  جلياً في التضامن الاقليمي والدولي الذي لفت الانظار وتجلى باجتماع مجلس وزراء الخارجية العرب، وقيام بعضهم بزيارة قطاع غزة، وتوافد الوفود المناصرة لزيارتها وتأييدها معنوياً على الاقل، وطلب عقد مجلس الامن بغض النظر عن قراراته، في الوقت الذي ادت فيه الى الاحساس بشرخ الامن الاسرائيلي وسقوط العديد من الشعارات الاسرائيلية التي ربطت دوماً بين الجغرافيا والأمن الاسرائيلي الداخلي، فلقد أسقطت هذه الحرب الشرسة، نظرية الامن الجغرافي بوصول مدى الصواريخ التي انتقلت من غزة الى عمق 80 كم مخترقة القبة الحديدية "نسبياً"، فلم يعد الاحتفاظ بالأراضي وسيلة للدفاع وأثبتت هذه الحرب بأن سلاح الجو وحده ليس كافياً على فرض الردع، بل وضعت قواعد للحروب القادمة التي ستعتمد على العلم والتكنولوجيا الحديثة، حرب عقول بين الصاروخ والطائرة. لذا فإن على اسرائيل أن تحسب الف حساب لأي هجوم مستقبلاً عليها.

 هذا الاحساس بشرخ الامن الشخصي الذي احدثه هذا العدوان نابعاً من عدم تحقيق الاهداف والانجازات المتوقعة منه، مما سيدفع المجتمع الاسرائيلي الى مزيد من التطرف نحو اليمين، والحد من الهجرة لإسرائيل، بل احداث هجرة مضادة منها وهو ما يتوقع وسيتضح مستقبلاً.

كما ان التعلل بالدفاع عن النفس امام الغير بات شماعة هرئة، اذ في الوقت الذي تدعي فيه اسرائيل بحقها في الدفاع عن النفس، تتناسى عن حق الشعب الفلسطيني بمقاومة الاحتلال والدفاع عن نفسه أيضا، دون البحث بالمسببات الحقيقية لعدائها والهجوم عليها . فالدفاع عن النفس حق لكل الشعوب، والدفاع عن النفس لا يعني القتل والإفناء واستباحة الدم والاعتداء على حقوق الغير، وإنما التعايش السلمي وأحياء التسامح وإعطاء  الغير حقوقهم، فعلى من يعتدي ويسلب حقوق الاخرين ان يتوقع ويتلقى رد الفعل المعاكس ممن تم هضم حقوقهم ولو بعد حين، وإذا كان اليهود يدعون بأن لهم حقاً في فلسطين، فان للفلسطينيين فيها حقاً اقدم وأعرق ومدة اطول بالتواجد والإقامة فيها.

وكما أظهرت الحرب فشل تقدير القيادات العسكرية للإحتلال في معرفة القدرات الحقيقية للصواريخ والتعامل معها، اظهرت حكومة الاحتلال فشل وبهتان التعاطي الاعلامي للحدث عند الادعاء بتحقيق الاهداف ضد الصواريخ لليوم التالي على العدوان، ومحاولة اخفاء وعدم نشر المعلومات والحقائق أثناء العدوان، واستهداف وضرب منصات ورجال الاعلام الفلسطيني الذين بذلوا كل جهدهم بحرفية وجدارة وقدموا ارواحهم تضحية لوطنهم وامتهم.

وتظهر نتائج الحرب بأن تحولات في المواقف الدولية وخصوصاً الامريكية التي اضطرت الى التفاوض مع "حماس" ولو بشكل غير مباشر للوصول الى التفاهمات المشتركة، والى الضغط على اسرائيل بعدم القيام بالعدوان البري على غزة، وكذلك في الموقف الاوروبي المؤيد معظمه لتوصية الرئيس الفلسطيني بالأمم المتحدة. وهي مؤشرات تؤكد ضرورة اعادة النظر في ادارة الصراع العربي الاسرائيلي، بعد فشل وتلاشي ومساعي السلام وتجمد منه مفاهيم السلام وآلياته.

 والى متى يدرك العقلاء في اسرائيل بأنه بدون اعادة الحقوق وإيجاد حل سياسي عادل وشامل للفلسطينيين سيستمر دوران عجلة الحروب والاقتتال، وزيادة نزيف الدماء، ومزيداً من الحقد والكراهية.

فكل ما يتم طرحه وتنفيذه اسرائيليا من تهويد القدس، وبناء جدار الفصل، وحصار غزة والعدوان المتكرر عليها، وتوسيع المستوطنات في الضفة، وتهديد القيادة الفلسطينية والتطهير العرقي للشعب الفلسطيني وزيادة الاعتقالات، هي اجراءات قد تغيير شكل الصراع لكن لا تنهيه، خاصة بوجود شعب فلسطيني صامد يواجه ويتحدى كل هذه الاجراءات والتهديدات الاسرائيلية بكل صبر وشجاعة.

* الكاتب يعمل في قطاع الأعمال ويقيم في مدينة القدس. - nabeelhammouda@yahoo.com