2012-12-01

أين نحن بعد انقشاع غبار العدوان؟ (2/2)


بقلم: بكر أبوبكر

تحدثنا في الجزء الأول عن المدى الذي وصلت اليه المقاومة في فلسطين، وفي غزة اثر العدوان سواء في المدى الميداني أو الوحدوي أومدى الخطاب، كما تطرقنا أيضا للشكل والنموذج ونكمل اليوم في الوجع والتناغم.

لقد كان التناغم بلا نشاز إلا ما قل، وكان التناسق أن الوجع الفلسطيني وحد الداخل والخارج وليس غزة والضفة فقط ما يعني إمكانية التوافق على برنامج نضالي مقاوم موحد يأخذ بالاعتبار العقلانية السياسية حيث تسود المقاومة الشعبية في كل من غزة والضفة وفق ما استقر عليه التوافق الوطني وما عبر عنه كل من ابو مازن وخالد مشعل والفصائل.

 وحدة الوجع والخطاب..
قد لا يكون شكل المقاومة في غزة قادرا على الاستمرار في ظل اتفاق (تهدئة) لأول مرة يكبل السلاح في يد الفصائل بضمانة "حماس" ومصر من جهة، ويكبل الإسرائيليين بضمانه أمريكا من جهة، ورغم أن التفاهمات كما أطلق عليها تحقق اعترافا واقعيا من "حماس" بأراضي 1948 أنها (إسرائيل) كما هو اعتراف (إسرائيل) بحماس قوة حاكمة في غزة، فان ذلك قد يغرى أصحاب النهج الانقلابي الممانع للمصالحة للعزة بالإثم والاندفاع نحو إشهار (الإمارة) والانفصال، إلا انه من جهة اخرى عامل توقف وتأمل وإعادة تقدير للموقف ومراجعة من قبل المحور الآخر في "حماس" للانطلاق في بناء التناغم الوطني في معادلة اختلاف في ظل وحدة ما نرجو ان تكون فيه الغلبة لهذا المحور.

العمق العربي والنصر..
إن (شكل) المقاومة الذي خرج من رحم غزة معبرا عنه بالصورايخ والمقاومة المسلحة من جهة والتجهيز للحرب البرية، إن أريد له الاستمرار لافتكاك النصر فانه يحتاج لعمق عربي وإقليمي ودعم حقيقي وقرارات استراتيجية للأمة، وليس فقط زيارات العلاقات العامة العربية إلى غزة، ما هو غير متيسر الآن، حيث أن الأكثر قربا منه للواقع هو تلازم تحقيق: المقاومة الشعبية والوحدة الوطنية والممارسة الديمقراطية والحراك الدولي والضغط العالمي والمؤسسي والشعبي.

التوقيت والاختبار الاقليمي..
أما عن (التوقيت) فبلا شك أن لكل طرف في المعادلة الاقليمية وليس الفلسطينية البحتة دور في (اختيار) أو التعامل مع التوقيت، فانه إذ ظهرت (إسرائيل) مصرة على إثبات الجدارة والتفوق والقدرة على تحطيم قوة الخصم، وامتلاكها سلاح الردع وقدرتها على سبر غور المقاومة، واختبارها للمحيط العربي و"الربيع العربي" ومصر خاصة، ولضرب مسعى الرئيس أبومازن في الأمم المتحدة، وبتجربة لضربه إيران التي ما انفك نتنياهو يهلل ويطبل لها يكون لهذا التوقيت في ظل أوباما الجديد ومحاولة نتنياهو كسب الانتخابات أهمية، حيث جنحت الضربة القاضية وسجل الثلاثي الاسرائيلي المكتئب مجموعة من النقاط تحسب لهم في ميزان الدمار والخراب الذي خلف أكثر من مليار دولار دمار في غزة و174 شهيدا و1399 جريحا (في الفترة ما بين 14-21/11/2012)، كما يحسب لهم القدرة على وضع مصر في دور (الوسيط) وليس (الحليف) لا مع الاسرائيليين ولا مع الفلسطينيين ما أخرج مصر "الإخوان المسلمين" من معادلة (الخلافة) و(الجهاد) و(نصرة فلسطين) وان إلى حين.

ورغم كل مظاهر الفرح إلى حد النشوة بما أسماه البعض الانتصار المهدى لمصر فان ذلك لا يستقيم أبدا، إذ وقفت الأمة على نفس المساحة السابقة وقامت بنفس الدور المناط بها وان تكلل بزيارات رائية (تلفزية) لغزة فانه استقر على بيانات شجب وإدانة لم تتطور قليلا لإسقاط العلم الاسرائيلي في الدول العربية او ليخرج الشارع مطالبا بذلك، ما يجتاح فلسطينيا وعربيا لجهد كبير ومسعى طويل لإبراز أهمية إعادة صياغة الأمن القومي العربي موحدا في وجه اللاعبين الإقليمين المعترف بهم دوليا حاليا (إسرائيل/تركيا/إيران)، والمشكوك بإضافة مصر غير المستقرة إليهم، رغم نجاحها امريكيا في الاختبار الأخير.


انجاز بالنقاط، وساعة الحقيقة..
إن اقتصار الضربة الاسرائيلية على الهجوم الجوي معادلة خوف من الهجوم البري (تحسب لصالح المقاومة الفلسطينية) كما قال المحللون الاسرائيليون وليس كما حصل عام 2008، وهو انجاز حقيقي للمقاومة ، كما أن وصول الصواريخ الفلسطينية للقدس وتل أبيب انجاز بالنقاط للمقاومة من جهة، وانجاز للإسرائيليين من جهة أخرى الذين استغلوا ذلك لتمثيل دور الضحية التي تتلقى الضربات في (عاصمتها) من "الارهابيين" ما ردده بيرس والجوقة كلها، وما ما يحتاج منا لإعادة التفكير والدرس في (المدى) و(التوقيت) و(الشكل) المقاوم لاحقا.

لم يعد ينفع ادعاءات القيادة الاسرائيلية بالنصر كما قال الثلاثي المكتئب (نتنياهو/باراك/ليبرمان) في مؤتمرهم الصحفي، كما انه ليس نصرا بالشكل الذي قاله الثنائي (مشعل/شلح) في مؤتمرهما، انه نصر بمعنى الثبات و الصمود العظيم لشعبنا في فلسطين وتآزره وتلاحمه وشجاعته ووحدته، ونصر بطعم مرارة الشهداء والجرحى والخراب الصهيوني لبيوتنا في غزة، وان كان (انجازا) كما سماه داوود شهاب من قيادة الجهاد الإسلامي وكان محقا في ذلك (وساواه مع (انجاز) أبو مازن لأمم المتحدة أيضا)، ولنقل أن  ثالثة الأثافي إن حصلت هي (انجاز) المصالحة وإنهاء الانقلاب والانقسام.

إن ادعاءات النصر الإسرائيلية لا تستقيم، ونشوة (النصر) الفلسطيني في غير محلها ،فحجم الخسائر مهول ماديا، والرابحين الاقليميين على جثتنا كثر، وهناك مخاسر سياسية واضحة في التهدئة التي كفت يد المقاومة عن إطلاق أي رصاصة (كما حصل مع حزب الله في لبنان عام 2006)، بحيث أنه لو حصل اعتداء أو مجزرة لا قدر الله في بيت لحم او رام الله مثلا فلن تتمكن غزة من فعل شيء عسكريا والمستوطنات والتهويد يتواصل بلا هوادة، ولكن ما قد يخلخل المعادلة ويؤسس للتفلت من (الاتفاق) هو عادة الاسرائيليين على خرق الاتفاقيات أوالتفاهمات، ما يستدعي نظرة موضوعية لما حصل دون مزاودات أو تشدقات، أو رفع رايات أو اعتبار (الإنجاز/النصر) الذي حققته غزة حصريا بهذا الفصل أو ذاك ما يؤسس لشقاق أطول.

الآن، دقت ساعة الحقيقة ودقت ساعة العمل فما حصل في غزة في قراءة سراطية (=إستراتيجية) تأخذ القدرات والإمكانيات بالاعتبار كما التقاطعات الاقليمية والعالمية والفرصة المتاحة والتقاطها، وعلى صعيد التوقيت والشكل والمدى الذي عالجناه يعد انجازا فعليا للفلسطينيين، وان لم يشكل نصرا بمنطق ضربة قاضية بالطبع، فانه انجاز (أو لنقل انتصار جماهيري ) يحتاج لتراكمات وحدوية لتحقيق النصر الحقيقي.

إن ما حصل من تهدئة لربما أسعدت الاسرائيليين الحالمين بتدمير اللقاء الفلسطيني الواحد، قد تؤسس لهدنة دائمة أو لفصل غزة في سياق نشوة وغرور وعدم وعى أو التقاط للصورة الإقليمية، وحجم القوى والتقاطعات وما قد يؤدى للقضاء على القضية الفلسطينية لأمد طويل في ظل لعبة التوازنات الإقليمية التي تقاطعت بقوة على أرض غزة الباسلة.

في ساعة الحقيقة والعمل يترك المختلفون آراءهم المسبقة ويقبلون على طاولة الحوار بقلب مفتوح، ورغبة صادقة في تحقيق المصالحة من جهة وتكريس السراطية (=الاستراتيجية) الوطنية الموحدة، وإجراء الانتخابات الديمقراطية، ومن ثم الانخراط في ورشة بناء الأمن القومي العربي الذي هو وحدة من يؤسس لعزل الكيان الصهيوني وضرب ذيله ومنع انتشاره في الأرض الفلسطينية، وهزيمته.

* الكاتب أحد كوادر حركة "فتح" ويقيم في رام الله. - baker.abubaker@yahoo.com