اتفاق القاهرة طرح على الحالة الفلسطينية سلسلة واسعة من الأسئلة نكتفي هنا بطرح ثلاثة منها، ونحاول أن نجيب عنها.
السؤال الأول: يفترض، وفقا للجو العام، أن يشق "اتفاق القاهرة" (اتفاق الهدنة) طريقه إلى التنفيذ، رغم ما يمكن أن يصادف ذلك من بعض الصعوبات. فيتوقف القصف الصاروخي من القطاع نحو الأهداف الإسرائيلية، كما تتوقف آلة القتل الإسرائيلية عن استهداف القيادات الفلسطينية، السياسية والعسكرية، كما من المتوقع أن تسود أعمال المقاومة في القطاع، حالة من الجمود، بما يشبه الاسترخاء، ولربما حالة من "استراحة المحارب". ولا نستبعد أن تعيد إسرائيل النظر بقواعد الاشتباك، بحيث تنتهي، أو تتراجع إلى حد ملحوظ بوضوح، حفلات الصيد البشري التي كان جنود العدو يتبارون في تنظيمها، ويكون طرائدها المواطنون الفلسطينيون في القطاع، سوف تمارس القاهرة من جهتها الضغط الضروري، ليلتزم القطاع متطلبات الهدنة، وبدورها ستقوم الولايات المتحدة بالشيء المماثل إزاء تل أبيب. بل لا نستبعد أن تكون حكومة نتنياهو حريصة على إنجاح الاتفاق، لتؤكد للشارع الإسرائيلي، في معركة الانتخابات أن حربها ضد القطاع نجحت في استبعاد صواريخ المقاومة عن المدن والبلدات والمستوطنات في إسرائيل.
بالمقابل، سوف تبقى الضفة الفلسطينية تحت الاحتلال المباشر، وسوف تستمر حكاية الاحتكاكات اليومية بين المواطنين وجنود الاحتلال، وحواجزه ودورياته، حتى أن نتنياهو، لم يتأخر كثيرا، ليؤكد أن الاتفاق يخص قطاع غزة وحده، لذلك سارع جنوده، وخلال ساعات لاعتقال أكثر من مئتي مواطن فلسطيني، من بينهم مجموعة من نواب حركة "حماس" في المجلس التشريعي، ليقول، لمن يهمه الأمر، إن الاتفاق لا يسري على الضفة.
إذن: هدنة في القطاع، واحتلال في الضفة، فهل خرج القطاع من دائرة الاشتباك مع الاحتلال؟ وهل بتنا أمام وضعين مختلفين، ضمن إستراتيجيتين مختلفتين أيضا؟ وهل سيقف القطاع متفرجا، يكتفي بإعلان التضامن مع الضفة؟ وما هو دور المقاومة في حال نشط الصراع في الضفة بين الاحتلال وبين المواطنين؟
السؤال لا يدعو في طياته إلى إسقاط الهدنة. فالقطاع يحتاج هذه الهدنة لبلسمة جراحه، وفك الحصار عنه، وإعادة إعمار ما هدمه الاحتلال، وتوفير مصادر عيش للعاطلين عن العمل. القطاع بحاجة إلى ورشة متكاملة. غير أن هذا لا يعني أن القطاع لم يعد تحت الاحتلال، وأنه لم يعد جزءا من الأرض الفلسطينية المحتلة، وأنه جزء من الصراع اليومي مع المشروع الصهيوني. لذا بات مطلوبا البحث عن إستراتيجية فلسطينية "لما بعد اتفاق القاهرة" تلحظ أساليب النضال المطلوبة في الضفة، والدور المنوط بالقطاع، في تكامل بين "جناجي" مناطق السلطة الفلسطينية، والأرض التي ستقوم عليها الدولة الفلسطينية المستقلة.
* * *
والسؤال الثاني: في ظل اللغط الذي أحاط بولادة "اتفاق القاهرة"، وما أبديت عنه من ملاحظات وانتقادات بعضها محق، وبعضها مفتعل ومبالغ في تحليله، ضرب إسماعيل هنية الطاولة بقبضته، مؤكدا أن "الجميع" سوف يلتزم بمتطلبات هذا الاتفاق. طبعا، إن هنية لا يتخوف أن يتم خرق الاتفاق من قبل أي من الجبهتين، الديمقراطية والشعبية، ولا من الجهاد الإسلامي، ولا من "فتح" أو اللجان الشعبية. فهذه قوى تبحث دوما عن التوافقات الوطنية، بما يخدم قطاع غزة ومصلحته العليا، ولا نعتقد أن أيا من هذه الأطراف سوف يغامر، لجر القطاع إلى حرب مجانية بانتهاك اتفاق الهدنة.
التخوف الحقيقي، كما هو واضح في صفوف "حماس"، هو من المجموعات الإسلامية الأصولية التي نبتت على ضفاف حركة "حماس"، وفي مناخها الأيديولوجي، وخرجت على طاعتها، تتهمها علناً بأنها خالفت الشريعة، وأنها لا تحكم القطاع وفقاً للشريعة. ويعتبر بعضها أن الهدنة مع "العدو اليهودي" حرام وانتهاك للشريعة. لذلك ليس من المستبعد أن تفاجئنا، هنا، أو هناك، مجموعة ما، بعمل يربك الوضع العام، كما حصل في مجزرة "الماسورة" في شبه جزيرة سيناء، والتي ارتدت على القطاع ومقاومته بنتائج سلبية ما اضطر "حماس"، عندها، للقيام بدور الشرطي لضبط حركة هذه المجموعات والسيطرة عليها.
وفي خطوة استباقية، لاحظنا أن "حماس" نشرت شرطتها وعناصرها المسلحة عند خطوط التماس مع العدو الإسرائيلي، لمنع الاقتراب من هذه الخطوط، وإطلاق الصواريخ أو التسلل نحو "الداخل"، أو إطلاق النار على الدوريات الإسرائيلية التي تمر بجوار القطاع وقريباً منه. ستجد "حماس" من سيتهمها أنها تقوم بحراسة العدو وحمايته. ولربما بدأ البعض بذلك من خلال بعض المقالات التي صدرت هنا أو هناك. طبعاً نحن لا نريد لـ"حماس" أن تلعب هذا الدور. كما لا نريده لأي من أطراف المقاومة. نريد أن تبقى البندقية الفلسطينية، بغض النظر عن الفكر الذي يسيرها، متوجهة نحو العدو. لذلك نرى أن السبيل الوحيد ـ تقريباً ـ لضبط القرار الفلسطيني، هو فتح باب الشراكة الوطنية في صناعة هذا القرار وصياغته. وهذا يكون، في القطاع من خلال غرفة عمليات مشتركة، ذات مرجعية سياسية موحدة، هي تصدر القرار، تكون مفتوحة للأذرع العسكرية المقاتلة ضد الاحتلال. هذا يشكل ضمانة لوحدة القرار، ولصون وحدة تنفيذه.
* * *
السؤال الثالث: في ظل نشوة "الانتصار"، والتي بدت على وجه بعض القيادات، في مبالغات كانت مقصودة (ربما للتمويه على بعض الثغرات في اتفاق الهدنة)؛ ذهبت بعض قيادات "حماس" في تصريحاتها نحو الانحياز لمحور عربي ضد محور عربي آخر، ولمحور إقليمي ضد محور إقليمي آخر، في خطوة بدت وكأن الفلسطينيين ينحازون في الصراعات العربية ـ العربية، بل حتى في الصراع داخل القطر العربي الواحد.
مثل هذه التصريحات من شأنها أن تنعكس سلباً على الوجود الشعبي الفلسطيني في الأقطار العربية. وليس خافياً أن الفصائل الفلسطينية، في سوريا على سبيل المثال، حرصت على عدم الزج بالوجود الفلسطيني في خضم الأزمة السورية الداخلية، وأصرت على الوقوف على الحياد، حرصاً على المصلحة الفلسطينية، وعلى المصلحة السورية أيضاً، وحين تأتي تصريحات من خارج سوريا، منحازة لهنا أو هناك، أو من خارج لبنان، منحازة لطرف لبناني ضد آخر، فإن هذه التصريحات تتجاوز حدود صلاحياتها الوطنية، متجاهلة أن هناك قيادات محلية هي الأكثر معرفة بالواقع، وهي الأكثر قدرة على صياغة القرار المناسب.
لا يغيب عن بالنا أن "الإخوان المسلمين" طرف في الصراع، وإن حماس هي الفرع الفلسطيني للإخوان. ولكن يحب ألا يغيب عن البال أن واجب "الإخوان" في فلسطين أن تكون فلسطين هي همهم الأول، وهمهم الدائم، وأن يسخروا كل الطاقات لأجل فلسطين وألا نستعمل فلسطين، قضية وشعباً، خارج إطار الصراع مع العدو الإسرائيلي. لذلك نتوقع منذ الآن فصاعداً أن تتوقف التصريحات التي تطال الصراع في سوريا، أو غيرها، في صيغة الانحياز لأحد أطراف الصراع، فالمصلحة الفلسطينية تفترض موقفاً فلسطينياً مسؤولاً.. نحو فلسطين ونحو سوريا وشعبها.. ومن انتصر في غزة، يتوجب عليه أن يصون هذا الانتصار بعيداً عن أية انحيازات تخرج هذا الانتصار من دائرته الفلسطينية في الصراع ضد العدو.