هناك اعتقاد لدى الكثيرين، ونظرا لما حققته المقاومة من انتصار الذي هو بالأساس معنوي، ونظرا للشعور العام لدى الاسرائيليين بأن جولة الصدام الأخيرة لم تحقق اهدافها في تعزيز قوة الردع التي تراجعت وتآكلت بعد ان وصلت الصواريخ الى قلب تل ابيب ومشارف القدس، ان هذا الوضع لن يدوم طويلا، وان جولة قادمة من كسر العظم لن يطول انتظارها.
هذا الشعور بطبيعة الحال ليس له علاقة ببعض من سمعتهم من قيادات وكُتاب الذين يعتقدون ان ما حدث لم يكن انتصارا للمقاومة وفي نفس الوقت لم يكن هزيمة للاحتلال بل كان مجرد مسرحية متفق عليها بدأت بضرب الجيب العسكري بصاروخ الكورنيت وانتهت باتفاق التهدئة الذي ابرمته مصر، حيث من وجهة نظرهم لا يعتبرون ذلك انجازا، بل هو تتويج لعملية ترتيب الاوراق من جديد أساسها تسليم الراية للاخوان المسلمين بعد ضرب الشرعية وتمزيق وحدانية التمثيل والقضاء على قضية اللاجئين.
هؤلاء اصيبوا بصدمة، دون ان يعترف احد بذلك، بعد ان وجدوا انفسهم في عالم آخر ليس له علاقة بالواقع الذي يعيشه الناس، وان ما حدث من تطورات خلال الحرب كان عكس كل تخيلاتهم، حيث الشرعية تعززت من خلال دعم كافة الفصائل لخطوة الرئيس بالتوجه للامم المتحدة، وان الوحدة الوطنية اصبحت اقرب والمصالحة وانهاء الانقسام اصبح اكثر واقعية وان منسوب العداء بين "فتح" و"حماس" قد انخفض بشكل ملموس.
على اية حال، ان الحديث عن امكانية توجيه ضربه قاسية لغزة بعد الانتخابات الاسرائيلية هو امر واقعي جدا، ولكنه لا يعتمد فقط على رغبة اسرائيل في استرداد كرامتها واستعادة قدرة ردعها، بل سيتحكم في ذلك العديد من العوامل، اهمها:
اولا: كيف ستتصرف الفصائل الفلسطينية في كل ما يتعلق بالحفاظ على التهدئة والالتزام الكامل بما تم الاتفاق عليه، خاصة فيما يتعلق باطلاق الصواريخ او تنفيذ عمليات على الحدود. كلما كان الالتزام والانضباط والسيطرة الفلسطينية اكثر على الفوضى والتصرفات الفردية التي تتعامل مع اطلاق الصواريخ وكأنها العاب نارية، كلما كانت المهمة اكثر صعوبة على اصحاب القرار في اسرائيل. من الصعب ان يستوعب المجتمع الاسرائيلي الذي عانى كثيرا في الحرب الاخيرة الذهاب الى حرب اخرى فقط من اجل الانتقام، لن يفرطوا بالهدوء بسهولة وبعكس ما يعتقده البعض اسرائيل لا تتخذ قراراتها وفقا للمزاج او العواطف.
الوضع في غزة اصبح قريبا جدا للوضع في الجنوب اللبناني، ونتائج العدوان الاخير على غزة قريبة جدا من نتائج العدوان على لبنان عام 2006، حيث ورغم شعور اسرائيل بالهزيمة وشعور حزب الله بالانتصار، وعلى الرغم من الرغبة الاسرائيلية الكبيرة بالانتقام فان التهدئة هناك صامدة حتى الآن على الرغم من مرور اكثر من ست سنوات. اهم مقوم لصمودها هو قدرة حزب الله على ضبط الايقاع هناك والالتزام الذي قابله التزام اسرائيلي شبه تام. غزة يمكن ان تصبح من حيث الهدوء جنوب لبنان آخر.
ثانيا: الاوضاع في مصر وطبيعة التطورات هناك هو احد العوامل التي ستحدد طبيعة الاوضاع في غزة. اولا لان اسرائيل تحسب حساب لرد الفعل المصري قبل ان تُقدم على اي خطوة تجاه غزة، وثانيا لان مصر هي الراعية والضامنة لصمود هذا الاتفاق. كلما كانت مستقره اكثر كلما كان العدوان ابعد.
ثالثا: نتائج الانتخابات الاسرائيلية سيكون لها دور في طبيعة السياسة التي ستتخذها اسرائيل تجاه غزة في المرحلة القادمة. احتمالية ان يفوز اليمين ويعزز من سيطرته على مؤسسات الدولة هو امر تقريبا غير قابل للشك، ولكن الذي سيكون له تأثير اكبر هو من سيكون وزير الدفاع القادم. يجب التذكير ان الاتفاق بين نتنياهو وليبرمان يمنح الاخير اختيار الوزراة التي يشاء بما في ذلك وزارة الدفاع، لكن المرشح الاقوى لتولي هذه الوزراة هو رئيس الاركان السابق موشي يعلون الذي اصبح اكثر تطرفا في السنوات الاخيرة ويقال أنه هو الذي اطلق الرصاصة الاخيرة على الشهيد خليل الوزير.
رابعا: الموضوع الايراني وما سيحدث في هذا الملف من تطورات سيؤثر على طبيعة السلوك الاسرائيلي تجاه غزة. نتنياهو حدد الربيع القادم على انه الخط الاحمر الفاصل وان على الولايات المتحدة ان تتحرك لمنع امتلاك ايران للسلاح النووي. اذا ما عاد الموضوع الايراني الى الصدارة بعد الانتخابات الاسرائيلية وفي نفس الوقت كان هناك التزام بالتهدئة في غزة فان احتمالية العدوان ستتضاءل.
خامسا: الرد الاسرائيلي على الخطوة الفلسطينية في الذهاب الى الامم المتحدة ومدى انعكاسها على الاوضاع الميدانية في الضفة الغربية. اسرائيل لن تفرط بسهولة بتغيير قواعد اللعبة هناك التي هي مريحهة جدا بالنسبة لها، على الرغم من كل التهديدات التي تصدر عنهم بين الحين والآخر، ولكن هذا الأمر لا يضمن عدم تدهور الوضع اذا ما نفذت اسرائيل تهديداتها والتي قد تؤدي الى انهيار السلطة، على الأقل من الناحية المالية. هناك بوادر لحراك غير محمود بالنسبة للاسرائيليين، خاصة خلال العدوان على غزة. ما سيحدث في الضفة في الاشهر القادمة سينعكس بشكل مباشر على السلوك الاسرائيلي والفلسطيني ايضا في غزة.
في كل الاحوال، المصلحة الفلسطينية العليا ان يكون هناك احترام كامل والتزام حديدي باتفاق التهدئة، لتصعيب المهمة على الاسرائيليين، خاصة المتطرفين منهم الذين يدفعون باتجاه التصعيد. ولكي يتم استثمار ما تم تحقيقة في الميدان وترجمته الى انجازات سياسية ووطنية يجب تكريس كل الجهود من اجل انهاء الانقسام. الزيارة التي قام بها اثنى عشر عضوا من اعضاء المجلس الثوري لحركة "فتح" من اخواتنا واخوتنا من الضفة والتي تم التحضير لها خلال العدوان، وما تلقوه من احترام يليق بأهل غزة ويعكس عمق الروابط بين ابناء الشعب الواحد التي هي اقوى من كل الخلافات السياسية، خطوة في الاتجاه الصحيح يجب ان لا تكون استثنائية.