2012-11-29

أين نحن بعد انقشاع غبار العدوان؟ (1/2)


بقلم: بكر أبوبكر

قد يختلف المفكرون والكتّاب في توصيف ما حصل في غزة والنتائج التي أحرزها الفلسطينيون، والمقاومة في ردها المباغت على العدوان، ورغم أن الكثيرين كتبوا معددين جوانب النجاح والفشل أو (النصر) و(الهزيمة) لدي طرفي العدوان، أي العدو الصهيوني من جهة، والمقاومة الفلسطينية (شاركت كافة فصائل المقاومة في صد العدوان بما فيها الجبهة الشعبية وحركة "فتح" والمقاومة الشعبية رغم انحياز الاعلام لإبراز "حماس" بشكل رئيسي ومقصود)، إلا أننا سنتصفح سفر العدوان من زوايا ربما تكون مختلفة.

لقد كان لتوقيت العدوان وشكله ومداه معانٍ كثيرة ارتبطت انتخابيا بالاسرائيليين، كما سجلت نقاطا لهذا الطرف أو ذاك، بمعنى أن ما أراد الإسرائيليون أو الفلسطينيون انجازه يمكن قراءته سراطيا (استراتيجيا) على صعد ثلاثة هي (الشكل) و(المدى) و(التوقيت) لما تحقق لكل طرف وبنسب غير متساوية من انجاز أو (انتصار) بالنقاط، وليس بالضربة القاضية.

شكل المقاومة..
لقد اختلفت سراطية (استراتيجية) المقاومة الفلسطينية في العدوان الأخير على غزة عن حرب 2008 الفاشلة بالاتجاهين وفق غالب المحللين السياسيين، (فالشكل) الذي أعلنته المقاومة عبر الرد الفوري والسريع و بكشف امتلاكها لحصيلة كبيرة من الصواريخ (قال الزهار مؤخرا أنها لم تتأثر مطلقا) كان مفاجأة حقيقية للعدو بالرغم مما قاله الاسرائيليون من أنهم يمتلكون معلومات مثبته عن حجم التسلح مسبقا، وعن تدميرهم لمخزون المقاومة من القذائف والصواريخ لاحقا.

كما أن (المدى) السراطي الذي ذهب إليه المقاومون في غزة سواء المدى للصواريخ (مستوى القدرة والقوة) أو للتصريحات (الخطاب) أو لتحقيق الالتفاف الوطني عبر عن سراطية (استراتيجية) جديدة حقا من الممكن البناء عليها إن صفت النوايا والقلوب، فالتخفيف عن حركة فتح بالقطاع ومشاركتها بقصف الصواريخ يعد تطورا جديدا، والمشاركة مع الجهاد الاسلامي في قطف الثمار، يمثل تطورا قد يؤسس للدخول في ترتيبات المصالحة بمنطق (المشاركة) لا الاستبعاد أو الإقصاء أو الاستئثار الذي يمثل فكر التيار الممانع للمصالحة في حماس غزة وفي الإخوان المسلمين عامة، رغم عدد قليل من الأصوات النشاز التي خرجت من "حماس" والتي رد عليها علي بركة ممثل "حماس" في لبنان على فضائية (فلسطين اليوم) بالقول أن: (الذي يقود "حماس" هو المكتب السياسي والذي يرأس المكتب السياسي هو الأخ خالد مشعل، والأخ خالد مشعل عبر عن الحركة وعن المكتب السياسي وهذا موقف "حماس" الموحدة في الميدان وفي المكتب السياسي وإذا كانت هناك اجتهادات لبعض الإخوة فهي اجتهادات تمثل الأخوة أنفسهم والذي يمثل المكتب السياسي هو الذي عبر عنه الأخ أبو الوليد).

إن (المدى) الذي وصل إليه المقاومون بتحقيق الوحدة الميدانية في غزة، قابله وحدة الصف في الضفة الغربية الذي قادته حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" وشبيبتها (وبقرار من الرئيس محمود عباس واللجنة المركزية لحركة "فتح" إحقاقا للحق وإنصافا للواقع) بقوة وعنفوان منقطع النظير مع كافة الفصائل ما جعل العالم ينبهر بالصورة الشعبية الفلسطينية الموحدة الرافضة للعدوان بالتظاهرات الشعبية العارمة، رغم الخلافات السياسية المستعصية حتى الآن.

مدى المقاومة..
أما (مدى) الصواريخ والقذائف بعد مدى الوحدة الوطنية، فكان الظهور اللافت بل والمدوي (لإيران) في المعادلة إذ أنها عبرت عن نفسها وحضورها وقوتها وقدرتها بما لا يدع مجالا للشك أن أحلام نتنياهو بضرب إيران  أصبحت أضغاث أحلام، منتظرين ما ستسفر عنه الحرب العربية – العربية في سوريا التي ربما تكون نتيجتها عدوان جديد داهم وشديد كما قال الكاتب الجزائري المخضرم حبيب راشدين.

وعود على بدء في (المدى) وصلته المرتبطة بسراطية المقاومة في الوحدة الوطنية أولا وفي مدى الصواريخ ثانيا وفي التصريحات (الخطاب) ثالثا، نقول أنه في المدى الثالث أي التصريحات (الخطاب) فلقد ظهرت  مختلف الفصائل الفلسطينية في غزة والضفة متناسقة موحدة متقاربة، ولم يجرح الإجماع إلا قلة شاذة في "حماس" وفي السلطة ارتبطت بالكرسي كما ارتبطت بمصالح النفوذ والحفاظ على التسيّد والتسلط والانقلاب .

ولمن يريد اطمئنان النفس النظر في تصريحات د. نبيل شعث وعباس زكي ومحمود العالول ود. جمال محيسن وغيرهم من قيادة حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح"، والإطلاع على تصريحات خالد مشعل وإسماعيل هنية ود. احمد يوسف ود. غازي حمد من قيادات "حماس"، ورمضان شلح والهندي وشهاب من الجهاد الإسلامي، كما النظر في تصريحات مختلف الفصائل الأخرى، الذين تساوقوا وتناغموا في دعم صمود غزة وانجازها كما تآلفوا وتقاربوا وتوافقوا على دعم الرئيس ابو مازن بطلا فلسطينيا للحصول على الدولة في الأمم المتحدة.

لقد كان للصواريخ والقذائف من جهة، والهبة الشعبية من جهة والحراك العالمي والإعلامي ان عزفت سيمفونية وحدوية من الممكن استخدامها ان صفت النوايا (بعيدا عن المخرصين الحاقدين السلطويين) في تحقيق  وحدة الوطن والقيادة والشعب.

* الكاتب أحد كوادر حركة "فتح" ويقيم في رام الله. - baker.abubaker@yahoo.com