2012-11-29

جوانب من المساومة الأوروبية للتصويت على الدولة الفلسطينية المراقِبة


بقلم: د. جورج ساسين

بعد تردد ظاهر حسمت بعض الدول الأوروبية موقفها تباعاً من مشروع الاعتراف بفلسطين كدولة غير عضو في الأمم المتحدة. وتبين أن مساومات عديدة جرت حتى لحظة إيداع المشروع رسمياً لإقناع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بتأجيل طرح مشروعه في الجمعية العامة إلى الصيف المقبل، ثم حاولت بعضها انتزاع تعهد منه بعدم اللجوء للمحكمة الجنائية الدولية عن الانتهاكات السابقة.

لاشك أن المندوب الدائم لدولة الفاتيكان في الأمم المتحدة سيستأنس، من الآن فصاعداً، برياض منصور ممثل فلسطين. فإذا كانت ستجمعهما الصفة القانونية المشتركة ، كدولتين غير عضوين في الأمم المتحدة، إلا أنه من المؤكد أن ممثل فلسطين سيكتسب حيثية "زمنية" جديدة قد تمهد له الخوض في ما بعد باسترجاع ما يجمعه بممثل الفاتيكان، ألا وهو القدس كرمز ديني ووطني. ولعل البروتوكول يقضي أن يحتل ممثلا هاتين الدولتين بالذات مقعديهما جنباً إلى جنب، من يدري؟

وما هو مؤكد أيضاً أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس سيشرح اليوم في كلمته الحيثيات السياسية والتاريخية والقانونية لخطوته الديبلوماسية، كما أنه قد يرسم خارطة طريق "لدولته المراقِبة" للأشهر المقبلة، حين تأتي ساعة المفاوضات الجدية لاسيما في أعقاب رسو الرئيس الأميركي باراك أوباما على خيار معين في بداية ولايته الثانية.

ولاشك أن المندوبين الدائمين للدول الأوروبية الـ 27 في الأمم المتحدة سيدققون بدورهم اليوم وغداً في نيويورك بكل كلمة يقولها عباس من على هذا المنبر في نيويورك، لاسيما بعدما تبين أن مسؤولي "القارة القديمة" فشلوا في التوافق على موقف موحد يقضي بالامتناع عن التصويت لمصلحة مشروع القرار الفلسطيني. فانكشفت المواقف الحقيقية على الملأ وظهر أن كل دولة تغني على ليلاها تبعاً للمصالح والعقائد الراسخة. في المقابل ستشخص الأنظار من أجل تعداد الدول الأوروبية التي ستصوت ضد مشروع القرار المشار إليه أو تلك التي ستمتنع لأنها وضعت شروطاً تعجيزية على محمود عباس في الساعات القليلة الماضية.

وتبين أن لندن ذهبت بعيداً حين فشل خيار الامتناع الجماعي في الاتحاد الأوروبي الذي اقترحته الليدي كاترين آشتون على الدول الأعضاء، إذ قرن المسؤولون البريطانيون موافقتهم بثلاثة شروط: أولاً، الإلتزام باستئناف المفاوضات فوراً ومن دون شروط؛ ثانياً، عدم المطالبة بالعضوية الكاملة في مجلس الأمن بعد التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ وثالثاً، التخلي عن اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية لملاحقة المسؤولين الإسرائيليين بعد حصولها على مقعد دولة غير عضو في الأمم المتحدة.

أما فرنسا هولاند ـ فابيوس فيبدو أنها عادت لتتبنى "مبادرة" الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي التي أطلقها في أثناء الدورة العادية للجمعية العامة في 21 أيلول 2011، بكل حيثياتها وشروطها التي وضعها على السلطة الفلسطينية. وإذا كان ساركوزي في حينها قد فاجأ الرأي العام باقتراحه نموذج "دولة الفاتيكان" على محمود عباس، الأمر الذي وافق عليه في ما بعد على مضض، وذلك خوفاً من استخدام إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما الفيتو في مجلس الأمن ضد مشروع قرار بالاعتراف بالدولة الفلسطينية كعضو كامل الصلاحيات في المنظمة الدولية.

وكان ساركوزي قد تساءل في خطابه أمام الجمعية العامة في نيويورك قائلاً: "لماذا لا نتصور وضعية الدولة المراقبة في الأمم المتحدة لفلسطين؟ قد تكون خطوة مهمة، سنخرج بعد 60 عاماً من الجمود الذي يصب في خدمة المتطرفين. سنعطي مجدداً أملاً للفلسطينيين عبر تحقيق تقدم باتجاه حل الوضع النهائي. ويتعين على القادة الفلسطينيين، لتأكيد انخراطهم الحازم لصالح السلام المتفاوض عليه، في إطار هذا المسعى، إعادة تأكيد الحق بالوجود وبأمن إسرائيل. يتعين عليهم الالتزام بعدم استخدام هذه الوضعية الجديدة للجوء إلى أعمال تتعارض مع مواصلة المفاوضات". ثم نبه ساركوزي في مناسبة أخرى من مغبة رفع القضايا الخلافية إلى محكمة الجنائية الدولية، وحاول ثني محمود عباس مسبقاً قبل أي موافقة منه على "المشروع البديل".

ومن اللافت هو أن الادارة الاشتراكية الحالية تبنت موقف ساركوزي في هذا الخصوص، فعلى الرغم من أن خلفه الرئيس فرنسوا هولاند قد أطلق وعداً إنتخابياً بالعمل دولياً على الاعتراف بالدولة الفلسطينية، إلا أنه غيب هذا الجانب من خطابه الأول في مؤتمر السفراء الفرنسيين في منتصف الصيف، ولم يشر إلا إلى "الحق في تقرير المصير" للفلسطينيين. وكان تصريحه في حضرة رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتانياهو في 31 تشرين الأول الماضي مثابة تنبيه ثان للسلطة الفلسطينية من "مغامرة التفتيش في الجمعية العامة للأمم المتحدة عما لا تقوى على الحصول عليه من خلال المفاوضات".

هذا الموقف الذي فسره المراقبون بأنه تراجع كبير عما سلف، كان  كجرس إنذار للديبلوماسيين الفرنسيين المتابعين لهذا الملف ولبعض النواب وأعضاء مجلس الشيوخ، فضلاً عن وسائل اعلام نافذة. فهبوا جميعهم، كل في مجاله، لطرح المسألة على النقاش في الأروقة الرسمية والمجالس الضيقة.

ولابد في هذا السياق، الاشارة إلى محاولة باريس العمل على مستويين: أولاً، إقناع عباس بتأجيل طرح مشروعه حتى الصيف المقبل، ثانياً، تشذيب المشروع المقدم وإزالة كل المسائل التي تتعلق بالجدار الفاصل والاستيطان والقدس الشرقية كعاصمة لدولة فلسطين، بدعوى إستجلاب أكبر عدد من الدول الأوروبية لمصلحة المشروع الفلسطيني، وفي المقابل تصليب العبارات الواردة فيه لجهة استئناف المفاوضات من دون شروط.

ويبدو أن الجدول الزمني على غرار ما إقترحه ساركوزي، قد غاب بسبب "عدم رغبة باريس في الالتفاف وقطع الطريق على الحليف الأميركي" في بداية ولايته الثانية. ذلك الرئيس الفرنسي السابق حدد شهراً لاستئناف المفاوضات بين الاسرائيليين والفلسطينيين وستة أشهر للإتفاق حول الحدود والأمن، وعاماً للتوصل إلى الحل النهائي.

أما بعدما لمس وزير الخارجية لوران فابيوس رفضاً قاطعاً، من قبل عباس حين إلتقاه في رام الله قبل نحو عشرة أيام، لتأجيل طرح مشروعه في الجمعية العامة إلى الصيف المقبل، أقنع الإدارة في باريس بمراجعة مواقفها على ضوء المعطيات الجديدة لاسيما بعدما تأكدت بأن بعض الدول الأوروبية مصرة على خرق الاجماع المتمثل بالامتناع عن التصويت.

وكان لابد في هذه الظروف من إجراء محاولة ثانية لمقايضة تأييده نص المشروع الفلسطيني المطروح بخلوه "من أي عناصر يكون لها تداعيات تمنع السلام أو تعقده مع إسرائيل"، في إشارة غير مباشرة إلى إحتمال استخدام السلطة الفلسطينية سلاح المحكمة الجنائية الدولية في المستقبل.

ومن الواضح بحسب بعض المصادر العليمة بأن التسوية التي إقترحها عدد من العواصم الأوروبية تقضي بالموافقة على القرار الفلسطيني مقابل حصولها على تعهد  عباس بعدم استخدام سلاح المحكمة الجنائية الدولية عما جرى من انتهاكات للقانون الدولي سابقاً، أي قبل 29 تشرين الثاني. وستكشف الأيام مدى صحة المعلومات عن هذه المقايضة، وذلك على ضوء التحقيقات الجارية للتأكد مما إذا كان الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات قد توفي مسموماً أم لا، ومصير القرار الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في شأن الجدار الفاصل. وما هو مؤكد أن رام الله لن تحرق المراحل وتستعجل في استخدام سلاح المحكمة الجنائية الدولية.

* كاتب وصحافي يقيم في باريس. - georgesassine@hotmail.fr