ثمة موسيقى خرافية تغلف سحر المكان، الجو غائم وحائر وملبد بالتفسيرات، لا أتنبأ أن هذا الجو يجعلني اشعر بإحباط ما، فكان الحرب الجديدة قد بدأت وانتعلت مخالبها الوحشية، وكأن ذكريات الحرب الأولى بدأت تتكوم داخل منطقة معزولة ومحصورة وممنوعة من الصرف بفعل خيانة وتقاعص البعض.
غزة، يا لها من كلمة ثلاثية الألحان والتكوين والأمل، فلم يكن يومها سرياليا أو عاديا، ولم يكن أبداً نازيا لأنه تجاوز ذلك إلى الحد الذي لا يوصف، فكان الموت يحمل معوله ملاحقاً الأطفال والنساء والشيوخ والأشجار، كان ينتشر في الشوارع وبيوت الله وملاعب الأطفال وزقاق المخيمات يبحث عن كل ما هو فلسطيني بسبب غريزة المحتل الموغلة بالدم والإرهاب والقتل لمحو الذاكرة والزمان والمكان.
توقف التاريخ مجنونا على ربوع أرض عين الله تباركها وتحرسها، تقدم التاريخ ببطيء عبر عدسات وأقلام جنود الإعلام الفلسطيني يوثقون وينقلون تفاصيل القتل والألم ويقذفونها في كل أنحاء العالم، رغم صمت وخذلان الإعلام العربي للقضية الفلسطينية، فبات حالها غياب وحضور، وجع واحتمال، واغتراب واستئناس، إعرابه قذائف فسفورية وعنقودية واقعة عليه من البر والبحر والسماء.
تابعت بحسرة الأخبار والتطورات رغم التعب والإعياء الشديدين فكل شيء يصطكني بهوس وجموح، وأتحرك واهتز ما دمت أنا أيضا كمادة في مكان ما، فالاهتزاز يصك بنيان جسمي كهربائيا في دغدغات، في نبضات، كأنه غزو من الميكروبات لي، تماما، لست إلا هذا، الموجات القصيرة الجافة تنتشر في شرائح جسمي، في عظامي، في حزم أعصابي فكان الليل يلبس عباءته السوداء القاتمة كلون الحرب وويلاتها، والجو يضج ويعج بالهموم، وحالة من الترقب والانتظار تختلط بكيمياء المكان، لتصاب ذاكرتي بحالة عصيان سريالية وتمتلئ منفضتي بالسجائر لتفيض قريحتي منها لكنني لم اختنق، وتمتلئ طاولتي البدائية الصنع بفناجين القهوة، وأنا أواصل البحث وتتبع ومشاهدة القنوات الإعلامية بشتى أنواعها حتى ساعات متقدمة من الصباح، فكنت اكتفي بالنوم ثلاث ساعات والبقية أمضيها متنقلا بين المواقع الإخبارية والفضائيات والصحف المحلية والعربية ومواقع التواصل الاجتماعي وتوقع كل ما هو متوقع وغير متوقع في الحرب، حتى انتصر الجمع وولى الغزاة الأدبار هاربين ككل مرة، لان الإرادة الفلسطينية هي المنتصرة دوما على أكثر الدول تقدما في مجال القتل والتدمير والتخريب.
تابعت الموت والنصر عبر العديد من المنابر الإعلامية المحلية الفلسطينية التي كان لها الدور الأبرز في شد همم المواطنين وشحذ ورفع معنوياتهم، والحديث عن معاني الصمود والثبات واحتساب الأجر عند الله، والمواجهة الباسلة للمقاومين المتسلحين بحتمية الانتصار وعدالة القضية وشرعية طريقهم الأقرب إلى فلسطين فاسقطوا الطائرات وأطلقوا الصورايخ التي وصلت إلى ما بعد حيفا، لتعزف موسيقى السلام الوطني الفلسطيني وتفوح رائحة الجسد الذي أعلن وثيقة إعلان الاستقلال في عاصمتنا الأكيدة القدس المحتلة وتطرح التحية على سهلنا الساحلي المترامي الأطراف وتراقص اسماك القرش فأنشد لها برتقال يافا ليفيق على حرارة صوته أبو الخيزران جار العجوز أم سعد الغارقة في السنين والحساب ليقف الرجال تحت الشمس يدقون جدران سجن عسقلان والخزان رغم علقم الخبز المر حارثين الأرض بمزيدا من الصواريخ البدائية الصنع والتكوين، غير مكترثين لملاحقة وتهديد وزراء حرب حكومة الاحتلال الفاشية وجنودها المدججين بكل أنواع القتل والأسلحة الفتاكة للقضاء على غزة الجميلة، رغم قناعتي المطلقة بالإبداع والقدرة العقلية الفلسطينية على الاختراع والابتكار والتطوير ولمزيد من المعلومات حول هذا الموضوع زوروا العالم كله وسترون ذلك.
وهنا كان الإعلام الفلسطيني حذرا جدا في عدم الوقوع في فخ المساواة بين الضحية والجلاد، على خلاف منابر إعلامية عربية كبرى تتغنى بشهرتها، فذهبت الأخيرة إلى المساواة بين الدولة الاحتلالية والشعب الأعزل، فلم تتعامل مع قضية الحرب بالشكل المهني والمطلوب منها، فكان إعلام ناقل للإشاعة والتسريب والتشكيك، واستضاف الوزراء والناطقين باسم الحرب لكسر علب ألوان الأطفال وسحق ابتساماتهم واقتلاع الأشجار الممتدة في الأرض، فغابت إذاعتي بغداد والشرق وصوت الشعب التي كانت بوصلتها قضية فلسطين كونها قضية الأمة العربية جمعاء، وغابت ثلة كبيرة من العناوين الإعلامية العربية الكبرى بالإضافة إلى بعض العناوين الإعلامية المحلية التي تغمدتها الدولارات بمزيدا من الحزن والأسى والجشع، لتتربع على شاشتها برامج الغناء والرقص والأكل ومسابقات جمال البعير والأغنام، متناسيا إعلامنا العربي دوره الأساسي في توجيه الشباب العربي نحو قضايا الأمة وتغيير الصورة النمطية المكونة عن العرب، ضاربين بعرض الحائط الكتابة والنشر وبث صور قتل الأطفال والشيوخ وتدمير المدارس والمساجد والكنائس من قبل الاحتلال الإسرائيلي في كل حروبه ضد الشعب الفلسطيني، في الوقت الذي نواجه فيه عدو يستخدم كل أنواع الأسلحة المحرمة والممنوعة والمحظورة لتدميرنا من تشويه للأحداث وقلب للحقائق لاستقطاب وجلب العالم لصالحهم، وجهزت دولة الاحتلال جيشا الكترونيا يتكون من خمسة وعشرين ألف موظف لديها للعمل من خلال قنوات الاتصال والإعلام المجتمعي بكل لغات أهل الأرض لأجل الأهداف السالفة الذكر.
من جديد شكرا للإعلام الفلسطيني الذي يتوحد من جديد في معركة الأمم المتحدة لأجل انتزاع الحق الفلسطيني رغم كل التهديد والوعيد والترهيب غير مكترث لكل أشكال التمويل والمساعدات والضغط والترهيب الذي يمارسه الكيان النازي علينا.. شكرا لكل من ساهم ولو بالقليل للوقوف الى جانب الشعب الفلسطيني، والشكر الموصول لكل من أمدنا بالإعلام والسلاح ووقف وتضامن وتعاطف وزار غزة من عرب وأجانب لأجل كسر الحصار لا لالتقاط الصور على أنقاض البيوت المهدمة والمستشفيات التي تفتقد إلى شتى أنواع الأدوية وفي الشوارع المردمة.
ختاما، ها نحن نسجد لله شاكرين له نصره المبين ووحدة إعلامنا المحلي الذي يعيد بث صور الدكتور نبيل شعث إلى جانب الأخ إسماعيل هنية وقيادات الفصائل الفلسطينية على اختلاف توجهاتها وتسمياتها في احتفالات الانتصار الساحق على المحتل وهي ترفع بشارة النصر العرفاتية، فخافنا المحتل أكثر لان في الانقسام ضعف وفي الوحدة قوة.