2012-11-28

الدولة الفلسطينية ضمان استقرار المنطقة


بقلم: سامي محمد الأسطل

في شهر نيسان أبريل من العام الفائت 2010 كتب سفير بلوتسكر في جريدة "يديعوت أحرنوت" عن لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي باراك أوباما في ذلك العام وعنونه بهذه الكلمات: "ماذا قال أوباما لنتنياهو؟!.. إما السلام وإما أن تدفع" إنه خيار مفترق طرق عبّر أوباما عنه بهذه الجملة التي تعني توقيع للمرحلة القادمة بكلمات الرؤية الإستراتيجية للمنطقة ولسلام الشرق الأوسط.

بعد عام من هذا اللقاء وبالتحديد في شهر مايو أيار الماضي 2011 أدرك بعمق وقوة الرئيس الأمريكي باراك اوباما أبعاد التأسيس لشرق أوسط جديد يتماشى مع المتغيرات الإقليمية والربيع العربي؛ حينما أعلن عن حل الدولتين إيمانا منه أن هذا الحل سيؤسس لفترة هدوء طويلة نسبيا لاسيما وان القضية الفلسطينية مداد الثورات الوطنية والعربية والإسلامية ويتذكر رسائل زعيم القاعدة الراحل أسامة بن لادن رحمه الله المحرضة للحرب من أجل فلسطين.

أمام ذلك سرعان ما هرول نتنياهو ذاهبا للولايات المتحدة الأمريكية لثني الإدارة الأمريكية عن هذا التوجه وسرعان ما اقنع الكونجرس الأمريكي بأفكاره وصفق تصفيقته القاتلة استجابة لنظرية نتنياهو الرافضة للدولة الفلسطينية، فطويت خطة الإدارة الأمريكية حول حل الأزمة الفلسطينية.

وعبر في هذا السياق وزير الدفاع الأمريكي الأسبق روبرت جيتس عن مآلات سياسة نتنياهو الانسدادية بالقول: "إن سياسة نتنياهو تشكل خطرا وتهديدا لإسرائيل"، فبعد زيارة نتنياهو إلى واشنطن، وبحضور الرئيس الأمريكي باراك اوباما وكبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية، الذين لم يخفوا غضبهم من تصرف نتنياهو ومواقفه الرافضة لمبادرة اوباما للمضي في حل الدولة الفلسطينية، أمام ذلك كان موقف جيتس واضحا تجاه نتنياهو ووصفه بالجاحد الذي حصل على ما يريد ولم يقدم للسلام شيئا، مثلما فعل خلال فترة ترؤسه الأولى لرئاسة الوزراء الإسرائيلية 1996- 2000 التي أسهمت وأسست لتطورات هذا الواقع وأحداثه الجارية.

إن النضال الدبلوماسي المتواصل لأجل الاعتراف بالدولة الفلسطينية يمثل صفحة هامة من طي صفحات الصراع العربي الإسرائيلي وتحول هام من أجل الانعتاق من نير الاحتلال ويأتي في صلب أجواء الربيع العربي.

إن هذه الخطوة تعبر في تجلياتها عن التلاحم الشعبي بين أقطار الشعوب العربية والأممية؛ التي تراكم لديها الشعور بالعجز أمام تداعيات وتعثر القضية الفلسطينية والانتهاك المستمر لحق تقرير المصير، ومرارة الإحساس بالظلم من حروب ومجازر وإرهاب الدولة التي تنتهجها إسرائيل برصاصها المصبوب وأعمدتها التدميرية دون أن يقدر المواطن العربي أو المتضامنين الأجانب فعل شيء ملموس إزاء الحقوق والحريات الفلسطينية وعلى رأسها الحق السياسي للشعب الفلسطيني.

ربما كانت صورة استباحة ثوار ميدان التحرير للسفارة الإسرائيلية في القاهرة صباح السبت 10/9/2011 وما تلاه من أحداث مماثلة طيلة الشهور الماضية بهذا الغضب مؤشرا خطيرا ستواجهه إسرائيل قريبا في دول عدة، بل ستتحول المنطقة إلى محيط عاصف بها؛ إن هذا السياق الثوري يشابه إلى حد ما تطورات أحداث الثورة الإيرانية قبل أربعين عاما؛ حيث انقلبت إيران من حليف لإسرائيل وأمريكا إلى عدو نووي.

وصلت المسيرة السلمية إلى طريق مسدود، ورفعت الولايات المتحدة الأمريكية يدها من مساعي تجميد الاستيطان، بل اعترفت بأنها لا تستطيع تجديد المفاوضات المباشرة بين إسرائيل والفلسطينيين، وكأن المشروع الدولي الخاص بحل مشكلة الشرق الأوسط قد ابتلعته إسرائيل بصيغة فعل الأمر الواقع؛ مما يجانب السياق السياسي الدولي.

لقد كان مشروع إقامة السلطة الوطنية الفلسطينية في الأساس جهدا دوليا تحت قيادة الولايات المتحدة الأمريكية لحل القضية الفلسطينية ولو مرحليا يتدرج حتى إقامة دولة على حدود عام 1967؛ فبعد عاصفة الصحراء وتقليم أظفار الرئيس العراقي الراحل صدام حسين 1991، كان لابد من رسم نظام دولي جديد للمنطقة؛ درءً لردود الفعل المرتقبة يتضمن حل القضية الفلسطينية التي تمثل بؤرة الصراع في الشرق الأوسط.

فكان لابد من بذل الجهود والمساعي لحل القضية الفلسطينية، وصولا إلى مؤتمر مدريد 1991، في ذات الوقت سرعان ما اتخذت مملكة النرويج دورا رئيسيا في تسهيل المحادثات السرية بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل حتى الوصول إلى اتفاقية أوسلو1993، ثم إقامة السلطة الوطنية الفلسطينية؛ التي رسمها بتفاصيل التفاصيل الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون.

الآن لدى الشعب الفلسطيني على أرض فلسطين مؤسسات الدولة المستقلة تحت مسمى السلطة الوطنية الفلسطينية وهي خطوة متقدمة مثل: رئيس السلطة، رئيس الوزراء، برلمان بصلاحيات التشريع وسن القوانين، وزارات تعمل حسب القانون الأساسي المعدل عام 2005 "الدستور"، تمثيل دبلوماسي في معظم دول العالم، مقدمة رقم هاتف دولي ....الخ.

أثارت باكورة الخطى الوطنية الممثلة بحملة استحقاق أيلول حالة من الحراك الفلسطيني محليا وعالميا وفي كل المستويات الدولية والأممية؛ رغم تصاعد وتنامي وتيرة الربيع العربي وما يدشنه من تحولات تاريخية للمنطقة والعالم، كما وتؤسس لمرحلة جديدة، ومحاور لاعبين جدد ونظام إقليمي جديد.

مجمل الأحداث والتطورات المتلاحقة والمتصاعدة تدعو المجتمع الدولي والعالم ومجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة للاعتراف بالدولة الفلسطينية لأنها ضمان الاستقرار في المنطقة من أجل فض الاحتقان لدى الشارع العربي والإسلامي والعالمي الحر والاعتراف بالدولة هو أحد أهم أهداف الأمم المتحدة ومجلس الأمن الممثلة بضمان حق تقرير المصير وضمان السلم والأمن الدوليين، والبديل عن ذلك أزمات كبرى تلوح في الأفق نتمنى تجنبها.

* باحث وأكاديمي فلسطيني يقيم في قطاع غزة. - samiastal@gmail.com