يومان على انفجارها، وبعد التيقن من التفاف الشعب المصري حولها، التحق "الإخوان" بركب ثورة 25 كانون ثاني 2011، لكنهم، وقبل إسقاط النظام، وبمجرد تنحي رأسه، غادروا "الميادين"، واختاروا المسار الدستوري سبيلاً لإسقاط جسد النظام، ومحاكمة رموزه، حيث واجهوا مسار قوى الثورة: "الدستور أولاً" بمسار:"الانتخابات أولاً"، وذلك بالتوافق مع "المجلس العسكري"، (وكل منهما لهدفه). بتلك الخطوات المبكرة تبدى، حتى، لمن لا يعرف من السياسة غير اسمها أن "الإخوان" يريدون الحلول محل النظام، إنما ليس لإحداث تغيير ثوري في مضمونه، داخلياً وخارجياً، سياسياً واجتماعياً، (كما تنادي "الميادين")، بل، لإحداث تغيير أيديولوجي في هوية الدولة المصرية، وإلا لكان بلا معنى أن يديروا الظهر لشركاء "الميدان، وأن يكون تشكيل لجنة الدستور ومقترحات مضمونه، (منذ البداية)، هو مصدر خلافهم الأساسي مع القوى السياسية والمجتمعية "المدنية". لكن، ولما كانت السيطرة على مؤسسات الدولة وإحداث تغيير أيديولوجي في هويتها، صعبة، وغير ممكنة بالمسار الدستوري وحده، فقد اتبع "الإخوان" تكتيك التنقل بين المسار الدستوري والمسار الثوري، فمرة تجدهم "دستوريين" حدَّ اتهام مَن يواجه "المجلس العسكري" وبقايا النظام في "الميادين" بـ"الفوضوية" و"البلطجة"، ومرة تجدهم "ثوريين" حدَّ إعادة تفعيل هذه "الميادين"، ودعوة الآخرين الانضمام إليهم في مواجهة "المجلس العسكري" و"الفلول". والأدهى، أن "الإخوان" ما زالوا مستمرين في ممارسة هذا التكتيك، برغم انكشاف مراوغاته، وتولي مرشحهم، مرسي، رئاسة الدولة.
واليوم، وعلى خلفية انسحاب ممثلي "القوى المدنية" من لجنة صياغة الدستور بسبب عدم تزحزح "الإخوان" و"السلفيين" عن هدف تغيير هوية الدولة، ولتحقيق هذا الهدف، أساساً وأولاً، تقمص الرئيس المصري، مرسي، الحائز على شرعيته بالانتخاب، وعبر المسار الدستوري، دور"الرئيس الثائر" المصمم على استكمال تحقيق أهداف الثورة، لإخفاء، الهدف الفعلي لإعلان دستوري ينصبه "حاكماً بأمره". لكن، ولأن تكتيك "الإخوان" في التنقل بين المسار الدستوري والثوري صار مكشوفاً، بل ممجوجاً، حدَّ الفضيحة، فقد خابت خديعة "دس السم في العسل"، بل، وحصدت غير ما رامت، حيث أدت إلى شق الشعب، الوطن، المجتمع، الثورة، والمؤسسات السياسة والفكرية والقضائية والإعلامية والنقابية...إلى فسطاطين، ووضعت، مصر الدولة، لأول مرة في تاريخها، على مفترق طرق خطير، ينذر بحرف طابع ثورتها السلمي نحو مسار عنيف، بدأت ترجماته العملية بقمع المعتصمين في "ميادين التحرير" ضد مرسي، و"جماعته"، وإعلانه الدستوري، وبنشوب، (وهذا هو الأخطر)، اشتباكات بين هؤلاء المعتصمين وجماعة الرئيس، (الإخوان)، وهو ما لا يقوى على منع اتساع نطاقه إلا إلغاء مرسي لإعلانه الدستوري، كما تصر مؤسسة القضاء ونقابات المحامين والعمال والإعلاميون بدعم ميداني من القوى السياسية والائتلافات الشبابية الثورية التي توحدت، كما لم يحصل من قبل، في جبهة واحدة، شعارها: "للثورة شعب يحميها"، بما ينبئ بانتقال الثورة المصرية إلى مرحلة جديدة، عنوانها الصراع على دفْعِ مضمونها الثوري وصياغته في نص دستوري لا يمس هوية الدولة، وعلى منْع إعادة إنتاج نظام الاستبداد، ما يعني أن هذا الصراع لم يعد يدور بين القوى الفعلية للثورة وجسد النظام المطاح رأسه، فحسب، بل، أيضاً، (وهذا هو الجديد)، بين هذه القوى و"الإخوان" و"السلفيين"، ما يحيل إلى، ويكشف عن، حقيقتين، هما: عدم استسلام جسد النظام الذي أطاحت الثورة رأسه، ورغبة مَن ركب موجتها، ("الإخوان")، في تصفية بقايا هذا النظام، لا لتغيير مضمونه، بل، للتفرد بالسلطة، وإقصاء "القوى المدنية"، وإحداث تغيير أيديولوجي في هوية الدولة.
لقد قطع تنصيب الرئيس المصري، مرسي، نفسه "حاكماً بأمره" الشك باليقين حول ما يسعى "الإخوان"، (باسم الثورة)، إلى تحقيقه. لذلك، كان طبيعياً حدَّ البداهة أن تفشل توضيحات الرئيس المصري في إيقاف تداعيات خطوته، (الإعلان الدستوري)، بل، وأن تزيدها تفاقماً، وأن تغذي القناعة بأنه ليس "رئيساً لكل المصريين"، يلتزم بدستور الدولة وقوانينها، بل مجرد "رئيس لجماعة" يلتزم بتعليمات مرشدها العام، (بديع)، ونائبه، رجل الأعمال والتاجر، (الشاطر)، وأن تشعل موجة غضب شعبية عارمة أفضت إلى مهاجمة، وحرق، العديد من مقرات، جماعة "الإخوان المسلمين"، وذراعها السياسية، حزب الحرية والعدالة، بما يذكِّر بمهاجمة، وحرق، مقرات حزب الرئيس المخلوع، الحزب الوطني. ماذا يعني هذا الكلام؟
يبدو أن"الإخوان" لم يستوعبوا، كما يجب، دروس اندلاع الثورة المصرية، وأنهم لم يهضموا، بما يكفي، أن هذه الثورة قد كسرت حاجز الخوف إلى غير رجعة، وأن بعدها هو فعلاً ليس ما قبلها، وأنها حدث تاريخي، وصيرورة تغيير ثوري، وأن حسماً سريعاً ومستقراً لنتائجها، أمراً غير وارد، وأن قابلية تجددها تبقى قائمة، طالما أن أهدافها في الخبز والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية لم تتحقق، وأن عنقها عصي على القمع، ما دام الشعب فارسها، وأن، (وهذا هو الأهم)، السيطرة على حركتها الدائبة والمعقدة، بأيديولوجية ثابتة، مهما قيل عن قداستها، مسألة صعبة، إن لم تكن مستحيلة، وأن موجاتها، بهذا كله، لن تهدأ، فما بالك مع انكشاف حقيقة أن مَن خطف السلطة الناشئة عن هذه الثورة، لم يكتفِ بعدم الوفاء بما وعد شعبها به، بل، وما زال يحاول، (بمراوغات مكشوفة)، استخدام هذه السلطة أداة لا لإعادة إنتاج النظام المخلوع، فحسب، بل، ولإحداث تغيير أيديولوجي يقلب هوية الدولة رأساً على عقب، أيضاً.
هنا، يثور السؤال: إذا كان "الإخوان" يعون كل ما تقدم، كما تشير أقوالهم، إذاً لماذا أشاروا على واجهتهم الرسمية، الرئيس المصري، مرسي، إصدار هذا الإعلان الدستوري، الكارثة بكل المعاني، هل بسبب ضيق صدرهم على تحمُّل النقد السياسي المشروع، وإحساسهم بأن جولة الانتخابات التشريعية القادمة لن تكون في صالحهم، وبالتالي فإن تعطيل المحكمة الدستورية هو فرصتهم الوحيدة لتحقيق هدفهم في تغيير هوية الدولة، خاصة وأن هذه المحكمة صارت قاب قوسين أو أدنى من اتخاذ قرار يقضي بحل لجنة الدستور و"مجلس الشورى"؟
أظن، وليس كل الظن إثماً، أن هذا هو الهدف الأساسي للإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس المصري، مرسي، بتوجهٍ من، نيابةً عن، مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين، بكل ما لذلك من تداعيات، وتساؤلات، لعل أهمها: هل فعلاً أن التداول السلمي للسلطة في مصر بات أمراً مقضياً، أم أنه ما زال منوطاً بنضال دؤوب يفك علاقة الرئيس الدستوري بالمرشد الأيديولوجي؟