2012-11-28

مصر في اللحظة الراهنة..!!


بقلم: عدلي صادق

في خلفيات الأزمة الحاصلة الآن في مصر، اجتمعت وتكثفت في الوعي الجمعي للمصريين، براهين وكوابيس تنذر بتحول عاتٍ،  عن المسار الديموقراطي الذي توخاه الناس من ثورتهم، وبتجيير هذه الثورة لجماعة "الإخوان". فبعد تحييد القوات المسلحة، مضت الأمور في اتجاه الهيمنة على الجمعية التأسيسية لصياغة الدستور، لكي يُصار الى "تأمين" ما تطلبه "الجماعة" على صعيد تحديد هوية الدولة ومرجعيتها السيادية، التي يُراد لها أن تكون دينية، لا شعبية، وفق رؤيتها، وعلى النحو الذي لا يلائم مجتمعاً تعددياً يراكم تجارب كبيرة. وقد تعجل الرئيس مرسي في هذه الوجهة، بعد أن انفصمت عُرى الشراكة مع القوى الديموقراطية، وقبل أن يتخذ قراره بتركيز السلطات في يديه، متعمداً تمرير هذه الخطوة بالتأكيد على أنها ذات طبيعة مؤقة ولـ "حماية الثورة"، وملاحقة "مجرمين" من أعدائها. فهذه هي بالضبط، ذريعة الأنظمة الشمولية، مع فارق كبير أو شاسع، يتعلق بمصر تحديداً، وهو أن شمولية الحكم بعد ثورة 1952 استندت الى ضرورة توفير المناخ الملائم، لتصفية النفوذ الاستعماري (وقد جرت تصفيته فعلاً) والإجهاز على ما تبقى من جيوب وآثار النظام القديم الفاسد، من أعداء الثورة والإقطاعيين. غير أن الذي حدث عندما انفضت الشراكة بين قوى الثورة الجديدة و"الجماعة"؛ أن المسائل ذهبت في الوجهة المعاكسة، بمحطات سريعة بعضها كان من الخطوط الحمراء عند نظام مبارك نفسه، الذي كان يتعمد هجاء صندوق النقد الدولي علناً، بتحريف اسمه واستبدال كلمة النقد، بـ "النَكَد". وبدلاً من الذهاب سريعاً الى وقفة موضوعية مع السياسة الأمريكية؛ بدا أن الأمور تمضي الى مزيد من الشراكة والتفاهم، مع التأكيد على أتم عناصر الالتزام بـ "كامب ديفيد". وكان واضحاً، أن "الإعلان الدستوري" الجديد، الذي يضع السلطات الثلاث في قبضة الرئيس مرسي، يهدف، من بين أمور أخرى على طريق التمكين لجماعة "الإخوان"؛ الى الالتفاف على الثغرات التي نشأت بعد انسحاب ممثلي القوى المدنية من الجمعية التأسيسية للدستور، ووقف المسار الديموقراطي بإحداثياته التي حددتها شعارات ثورة الحرية والعدالة الاجتماعية والاستقلال الاقتصادي. وكان طبيعياً أن ترفض القوى التي كانت السباقة الى الثورة، فكرة السلطات المطلقة للرئيس ولو ليوم واحد، على اعتبار أن هكذا اقتناص للسلطات، سيكون له ما بعده، فتعود البلاد في زمن الثورات الشعبية الديمقراطية، الى حكم الفرد أو "الجماعة".

كثيرة هي الأمنيات التي راودتنا بخصوص مصر الجديدة. من بينها أن يكتفي "الإخوان" بحقهم في المنافسة الديموقراطية على قاعدة دستور مدني، يكفل الحق المتساوي لكل الأطياف في المنافسة. ومن بين هذه الأمنيات كذلك، أن يهب العرب الأغنياء، الذين أظهروا تأييداً للثورة؛ الى إغاثة مصر بما يُغنيها عن قروض صندوق النقد الدولي والمعونة الأمريكية التي فرضت نفسها كسبب رئيس في ليونة الموقف المصري حيال سياسة أمريكية ظالمة. ولا يخامرنا الشك، في أن استنكاف الأغنياء العرب، ذوي الاحتياطات والودائع النقدية الخرافية، المكدسة في مصارف الغرب؛ عن إغاثة الاقتصاد المصري، إنما هو موقف مفهوم ينشأ عن  طبيعة هذه الأنظمة التي تمنح وتمنع حسب الإشارة عند "المزلقان" الأمريكي. ولا يُراد لمصر، بالطبع، أن تكتفي بنفسها وبمعونات مجزية من الأشقاء، لكي تتبنى سياسات استقلالية حقاً ومنسجمة حقاً مع روح الشعب المصري..!

*   *   *

لقد قدم بعض العرب لمصر بعض العون المالي، لكنهم تعمدوا أن يكون هذ العون، غير ملبٍ لحاجة بلد ذي أيادٍ بيضاء على كل العرب،  بحيث يُغنيه عن السؤال، سواءً على صعيد المنح أو القروض. كنا نتمنى أن يكون قرض صندوق النقد الدولي من قطر مثلاً، بدون فوائد، بخاصة وأن أميرها "شيخ الربيع" يتبنى سياسات "ثورية". لكنه بتركه مصر تذهب الى "النَكَد" الدولي، أثبت أن شروحات مناوئيه الذين يحسدونه على دوره ومثابراته، صحيحة عندما يقولون إن مساعيه "الربيعية" تشوّه الربيع نفسه، وليست سوى مساعٍ للترويض، ولإدخال القوى الاجتماعية المناضلة من أجل حريتها وكرامتها وخبزها؛ الى حظيرة سيدة العالم أمريكا..!

كانت الأمنية، هي أن يرد الرئيس مرسي للقوى الثورية التي أوصلته الى الحكم، بعضاً من جمائلها ومما تستحق. كان هذا الخيار، لو أخذ به،  سيحقق شعبية مؤكدة، وتمكيناً حتى لجماعة "الإخوان". للأسف، هو اختار الانقلاب على التحول الديموقراطي، الذي كان قادراً به ومعه، على أن يزجر العرب المستنكفين عن العون، وأن يذهب الى عملية تنمية بالمتوافر من المقدرات، وبمشاركة كل قوى شعبه، حتى تنضج الأمور فيأتيه العرب توسلاً للوداد..!

ربما الرجل، ظن أنه بالهامش اللفظي، الذي أتيح له عند معالجة مسألة العدوان على غزة، دون المساس بجوهر الموقف الذي عاش ورحل عليه نظام مبارك؛ قد حقق اختراقاً ثورياً يضاهي تأميم قناة السويس، ورفض سياسة الأحلاف ومحاربتها، وكسر احتكار السلاح، ودعم حركات التحرر في أربع رياح الأرض، وإطلاق عملية التنمية ومواجهة تحديات الصراع العربي الإسرائيلي وبناء القوات المسلحة..!

غنيٌ عن القول، إن "الجماعة" لا تدرك مخاطر الخطوة التي اتخذها مرسي، وفي مقدمها خطورة أن يتحول السجال في مصر، الى سجال عقائدي أو يتعلق بالدين مع القوى الرافضة لحزبية الدين (ومثل هذه السجالات تتناسل بطبيعتها وتنشطر لتشمل معسكر القوى الإسلامية نفسه)..!

إن ملايين المصريين التي خرجت الى الميادين، تؤكد في هذه البرهة، على عدم السماح بإعادة انتاج النظام الاستبدادي، بقطع النظر عن عنوانه وأسماء رموزه ومرجعياتهم. فمصر ذات إرث ثفافي وحضاري ومدني غني. وميادين مصر لم تفقد شرعيتها بعد، والديموقراطية هي عنوان المطالب كلها، ولن يفلح حاكم منذ الآن، في محاولاته استثارة العواطف ورش والتوقعات المنذرة بمؤامرات افتراضية، لتعطيل المسار الديمقراطي. بل لا يصح استعداء القضاء المصري الذي أثبت حتى في مراحل الحكم غير الديمقراطي، أنه قامة شامخة. لذا يحدونا الأمل في أن يعود مرسي عن "إعلانه الدستوري" وأن يختار الطريق الآمن، ولو على قاعدة حسابات خاصة جداً، تتعلق بحاجته الى أقصى شعبية ممكنة..!

* الكاتب يشغل منصب سفير فلسطين في الهند. - adlishaban@hotmail.com