تطورت الحرب الدائرة بين غزة المدعومة بالسلاح الإيراني القادم من سورية ولبنان وسيناء والعدو الصهيوني المدعوم من أمريكا وأوروبا والدول العميلة ووصلت لذروتها بقصف تل أبيب والقدس الغربية حين مست صواريخ المقاومة قدس أقداس الدولة العبرية وأساس قيامها الذي تلخصه رؤية الدولة باعتبارها الحصن المنيع لليهود والقادرة على تأمين وجودهم تحت مظلة التفوق الحاسم على كل الدول العربية وعدم وجود أي قوة تستطيع إثارة القلق وما يمكن أن يعكسه ذلك من هجرة معاكسة خاصة حين تفقد هذه الدولة المتفوقة الهيبة وتفتقد مقومات الدولة العظمى في المنطقة، الأمر الذي دفع أحد أعضاء الكنيست الصهيوني والحكومة الإسرائيلية للقول أن دولة إسرائيل لم تعد دولة وفقدت مواصفات الدولة بعد قصف "عاصمتها" وتهديد حياة السكان في عمق الكيان.
الارتياح البادي اليوم على وجوه سكان غزة يختلف عن كل الفترات السابقة ويشير لفهم صحيح لدى الشعب الفلسطيني لنتائج الأيام القليلة الأولى للمواجهة الدامية مع التفوق الإسرائيلي في السلاح والإمكانيات الذي لم يحم المدن والبلدات الإسرائيلية وعلى الأخص العاصمة والقدس من الرد ووقوع قتلى وجرحى في صفوف مستوطنيهم.
معركة غزة كشفت هشاشة المجتمع الصهيوني باعتبارها الثغرة ونقطة الضعف الخطيرة في جدار الحماية الذي صنعته إسرائيل منذ قيامها والذي يفسر حالة الهيجان والغضب وردة الفعل الإجرامية على ضربات المقاومة التي طاولت هذا الجدار في أهم أجزائه.
المياه الراكدة لقضية الشعب الفلسطيني حركها بقوة حجارة المقاومين التي ألقوها بقوة فيها وقدموا نموذجاً للانضباط والتعاون المثمر والتنسيق بين قدرات الفصائل، وشهد الناس لهذه الحالة مستبشرين بنصر يقرب يوم العودة والتحرير، وقد لوحظ الإجماع الوطني حول رجال المقاومة ومساندتهم بطريقة غير مسبوقة متناسين خلافاتهم واختلافهم حول الانقسام.
يعترف اليوم كل المتابعين للشأن الفلسطيني أن معركة غزة أعادت المسألة الفلسطينية على سكتها الصحيحة ومنحتها روحاً افتقدتها لمدة ثلاث سنوات كانت القضية المركزية في أسفل سلم الاهتمامات العربية. ولو حظي الفلسطينيون في غزة بدعم عربي كالذي تحظى به قوى المعارضة السورية لكانت النتيجة أفضل مما نراه اليوم.
ولو نظر المجتمع الدولي وخاصة أمريكا وأوروبا بشكل عادل وموضوعي لما يحدث في غزة لتغير كل شيء وبتنا أمام فرصة جدية لتحقيق السلام العادل ولانتهى آخر احتلال مباشر في العالم ولتهيأت الظروف لتغيير ايجابي يقدم أفضل أرضية لرسم خارطة سلام حقيقية لأزمة الشرق الأوسط المزمنة.
المشكلة اليوم أن الموقف الأمريكي والأوروبي في دعم العدوان يصطدم بلوحة إحداثيات متناقضة لأهداف باتت محل إجماع الدول العربية وشعوبها التواقة للحرية والعدالة. المشكلة اليوم أن الولايات المتحدة لم تتعلم كيف تصبح فعلاً وسيطاً نزيهاً للسلام وتنهي تحيزها الظالم وتصديق الرواية الصهيونية بشكل مستمر.
اليوم تتفاقم أزمة أمريكا في المنطقة ويبدو أن نشاط الدول الرجعية وعلو صوتها ناتج عن العرقلة التي تسببها معركة غزة للمشروع الأمريكي وغطرسة الكيان الصهيوني الذي وضع الجميع أمام معضلة جدية بتصعيد العدوان واغتيال قائد كتائب عز الدين القسام بشكل مدروس.
الأحاديث حول وجود اتفاق تحت الطاولة بين حكام غزة ومعهم الإخوان المسلمين مع الولايات المتحدة الأمريكية لترسيم تهدئة طويلة على طريقة ما جرى في لبنان تكذبه وقائع القتال الشرس الذي نتابعه بدقة في غزة ونعرف تأثيره الهائل على العمق الإسرائيلي. لكن إذا تطور الوضع باتجاه التهدئة وترسيم هدنة طويلة عبر نقل الملف من يد مصر للمجتمع الدولي أو ما يسمى توازنات الصراع الإقليمي واتفاق الحلفاء الداعمين لدولة غزة فإن هذا سيمثل الضربة الأكبر لأحلام الناس وفرحتهم بالانجاز الذي تحقق خلال هذه الفترة من الحرب في غزة.
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم على الأمة العربية وغزة تخوض معركة الكرامة العربية هو سؤال استثمار النصر والصمود في تعميق المأزق الأمريكي في المنطقة ولجم اندفاعها باتجاه تقسيمها وإحلال كارثة جديدة لصالح العدو الصهيوني، وهذا لا يتأتى بغير الاتفاق على خطة عربية تعالج الوجع العربي بدءاً من الحل السلمي في سورية وغيرها من الدول العربية مع أعلى حد من الدعم العسكري والمالي للشعب الفلسطيني لمواجهة العدوان، وليتذكروا ما فعلوه مع سورية وقراراتهم بالخصوص.