2012-11-27

الصراع على القيادة..!!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

الآن وقد توقفت الحرب على غزة بتوقيع أول إتفاق تهدئة مكتوب بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية و"حماس" بدور مصرى مباشر عبر عن موقف المقاومة الفلسطينية و"حماس"، ودور أمريكي عبر عن الموقف الإسرائيلي كالمعتاد تثور العديد من التساؤلات التي فرضتها هذه الحرب ونتيجتها، وأول هذه التساؤلات عن إحتمالات إنهاء الإنقسام السياسي الفلسطيني في ظل المعطيات الجديدة، والسؤال الثاني عن دور "حماسط المستقبلي بعد إتفاق التهدئة، والسؤال الثالث عن مستقبل السلطة الفلسطينية والرئيس محمود عباس. وهناك العديد من التساؤلات الأخرى التي تتعلق بمستقبل المقاومة، والدور العربي المتوقع، ودور مصر من غزة والسلطة الفلسطينية، ومستقبل السلام والمفاوضات؟ لكنني سأكتفى في مقالة اليوم الإجابة على التساؤلات الثلاث الأولى.

هذه الحرب هي حرب سياسية بإمتياز كما أشرنا في مقالة سابقة، ولذا ستكون نتائجها أكبر بكثير من الحرب الأولى على غزة، فإذا كانت الحرب الأولى قد عززت الإنقسام، فحركة "حماس" التي نجحت بشكل واضح من توظيف الحرب الأولى لتثبيت وجودها وخياراتها بفضل الدعم المالي والعسكري الذي تلقته من عدد من الدول وخصوصا إيران، كما تم التصريح بذلك، وما يؤكد لنا صحة هذا الإستنتاجات فشل كل محاولات المصالحة عبر السنوات الماضية، وقد تتحمل السلطة أيضا مسؤولية في ذلك. الوضع سيختلف في هذه الحرب، فالحديث لا يدور الآن حول الإنقسام، أو الحديث عن حكومة مقالة أم لا، ولكنه يدور الآن عن الدور الذي يمكن أن تقوم به حركة "حماس" في العملية السياسية على مستوى التسوية السياسية، وهذا رهن بالإقرار بدور حركة "حماس"، وبالحصول على مزيد من الشرعية الإقليمية والدولية للحركة، وقد اتضحت معالم هذا التحول بإعتراف وإقرار بقوة حركة "حماس"، وقدرتها على تحقيق أي تسوية، وذلك بحكم الشعبية التي جنتها من حربين متتاليتين لم تزدها إلا قوة وصمودا.

هذا التحول له دلالات سياسية ستنعكس على الحالة الفلسطينية، وتتمثل في من الأجدر على قيادة الشعب الفلسطيني في المرحلة القادمة، ومن الأقدر على تمثيله؟! وحتى يكتمل هذا الدور قد يكون من الضروري إنهاء الإنقسام ولكن مع الأخذ بهذا التحول في دور حركة "حماس"، وهو ما يستوجب تفكيك كل مؤسسات السلطة بما فيها منظمة التحرير أخذا في الإعتبار هذا الدور، وكأنه دور إحلالي لما قامت به حركة "فتح" منذ الثورة ثم التحول إلى العمل السياسي التفاوضي، وهذا العمل التفاوضي يحتاج إلى من يكمله  ويقوده، وهذا هو الإختبار الحقيقي لحركة "حماس" في مرحلة ما بعد الحرب، وما يعزز هذا الإستنتاج الدور الذي تقوم به مصر، ودور حركة الإخوان المسلمين وتثبيت حكمهم وسيطرتهم على كل مكونات الدولة المصرية، بل الذهاب بهذه الإستراتيجية إلى أبعد من الحدود المصرية أي على مستوى المنطقة كلها.. وحتى يتحقق هذا الهدف فالخيار العسكري مع إسرائيل مستبعد، ويفرض التحول نحو التسوية السياسية والدور التفاوضي والسياسي للحركة، وهذا قد ينعكس على الحالة السياسة الفلسطينية، وفي هذا السياق يتم تعزيز خيار الإنقسام بإطار ومعطيات جديدة للمصالحة.

وكما ما هو معروف في ادبيات الحرب أن الحرب والسلاح له وظيفة سياسية، وحيث أن أهم الدروس التي يمكن أن تستوعب من هذه الحرب أن القوة المسلحة والعنف لن يحل مشكلة غزة التي باتت تشكل قلقا لجميع القوى الإقليمية والدولية وخصوصا مصر التي تربطها علا قة خاصة بغزة تحكمها إعتبارت أمنية وسياسية وإخوانية فلا بد من البحث عن صيغة سياسية ما لحل هذه المشكلة، وهذا قد يفسر لنا الزيارات العربية التي تدفقت على غزة، والتي تحمل في مضامينها إعترافا بـ"حماس" كفاعل ليس فقط رئيس بل قد يكون بديلا للسلطة الفلسطينية القائمة، وهذا الإعتراف حتى يكتمل لا بد من دور سياسي لحركة "حماس" يتعلق بموضوع التسوية السياسية. وهذا التصور قد تشجعه الولايات المتحدة وإسرائيل اللتان تعارضان وبشدة قيام الدولة الفلسطينية، وتوجه السلطة الفلسطينية للذهاب إلى الأمم المتحدة.. هذا هو السيناريو الذي تحمله مخاطر هذه الحرب الأخيرة على غزة، والتي ستركز فيها المقاومة على جنىي هذه الثمار السياسية بعيدا عن السلطة التي كانت بعيدة عن كل المحاولات والوساطات السياسية لوقف الحرب الأخيرة، وصياغة بنود التهدئة والتي قد تكون بداية لخيار التفاوض.

وفي مقابل هذا السيناريو يبقى السؤال: هل من مصلحة لبقاء السلطة الوطنية الفلسطينية، ودعمها والحيلولة دون إنهيارها بإعتبارها البديل الوحيد والقادر على إكتمال خيار التسوية السياسية من خلال مفاوضات جديدة على أساس الدولة الفلسطينية.. وهذا هو موضوع مقالتنا القادمة.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@hotmail.com